كان اجتماع الجامعة العربية بهدف اتخاذ موقف من تطبيع الإمارات مع العدو الصهيوني مثيراً للخزي والشفقة والاستغراب؛ ففي الوقت الذي اعتقد كل وفد أنه يعتزم أن يتخذ موقفاً من الورقة الفلسطينية سلباً أو إيجاباً لم يكن يدرك أنه في العمق إنما يتخذ موقفاً من نفسه ومن بلده الذي يمثله ومن مستقبل شعبه وأجياله. وإذا كان الرافضون لإدانة التطبيع اعتقدوا أنهم انتصروا في هذا الاجتماع وأسقطوا من حساب الجامعة إدانة التطبيع فإنما كانوا هم الأخسرين لأن مستقبل شعوبهم على المحك ولأن المسؤوليات الملقاة على عاتقهم والتي لم يشعروا بها إلى حدّ الآن تحتّم عليهم التفكير بعمق ورويّة حول ما هم فاعلون في مستقبل اختلف جذرياً عن الماضي الذي عاشوه، وفي تسابق أحداث وضغوط دولية معادية تحتاج منهم إلى جهود مضاعفة في الفكر والعقل والسياسة والحكمة كي يضمنوا خلاصهم هم وليس خلاص فلسطين وكي يضمنوا استمرارهم هم وليس استمرار فلسطين. علّ مالم يخطر ببال هؤلاء هو أن فلسطين كانت حقل تجارب أعدائهم منذ مؤتمر بازل عام 1893 حيث وضع الصهاينة رؤية شاملة للقرن القادم ولِما يريدون إنجازه وهو تأسيس دولة على شاكلة الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بإبادة السكان الأصليين واستجلاب المهاجرين للأرض الغنية بالموارد الطبيعية وهاهم في بداية القرن الحادي والعشرين يشعرون أنهم حققوا خططهم التي وضعوها وفق السياسات التي رسموها وأصبح بإمكانهم أن ينتقلوا إلى مرحلة جديدة هدفها ليس "صفقة القرن" وليس ابتلاع الضفة والقطاع فقط وليس إلغاء "حلّ الدولتين" مرة وإلى الأبد وإنما هدفها هو أسرلة المنطقة برمتها ونشر الثقافة الصهيونية على أنقاض الثقافة العربيّة ومن ثمّ تحويل العرب إلى هنود حمر المنطقة والاستيلاء على ثرواتهم و تاريخهم وحضارتهم وبعد ذلك نشر ما يعملون عليه منذ عقود من أبحاث وآثار مسروقة ليقنعوا العالم أنهم هم السكان الأصليون لهذه المنطقة برمتها وأنه تم تهجيرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم دون أي وجه حق، ومن بعدها يبدؤون بمطالبة كلّ الدول العربية بالتعويض عن معاناتهم التي تسببوا بها ويصبح الموضوع الأهم في المنطقة هو المظلومية التي تعرّضوا لها والتعويضات المستحقة لهم ولكن ليس من ألمانيا هذه المرة بل من الدول النفطية المهرولة للتطبيع معهم والاستسلام لقوانينهم وخططهم المرسومة بعناية فائقة . وما تأكيد الإمارات على كلّ المطاعم أن تستعدّ لتقديم خيار أكل الكوشر وأن تقوم بتوفير مستلزماته إلا أول الغيث بهدف إحداث التغيير الثقافي في حياة الناس هناك والذي لا يبغي التواجد مع الآخر وإنما يبغي أن يحلّ محله ويثبت تفوّقه عليه وينفي وجوده لصالح المستقدَم من الأكل والفكر والثقافة.

 

 قد يشعر القارئ لهذه السطور أنها ضرب من الخيال وهنا أودّ أن أذكّره بالفرق بين من يخطط ليوم أو يومين أو لا يخطط على الإطلاق بل تتسم أعماله بردود الأفعال، وبين من يخطط لمئة عام؛ ففي مؤتمر بازل عام 1893 قرّر المؤتمر القومي اليهودي أن الحركة اليهودية التي لم تمتلك حينها مصادر بشرية كثيرة عليها أن تركّز على موضوعين أساسيين يجعلان منها قوة ضاربة في العالم وهما موضوع المال والإعلام، كما كان التوجّه هو العلاقات المتميزة مع الولايات المتحدة والانطلاق منها لنشر نفوذهم في بقية دول العالم. اليوم ورغم ضغوط الولايات المتحدة على الكيان لقطع علاقاته مع الصين  نلاحظ أن الكيان يعزّز كل أنواع علاقاته مع الصين كما أنه يتغلغل بشكل ممنهج ومدروس في أفريقيا ، وما اتفاقات الاستسلام التي عمل ويعمل جاهداً على توقيعها مع أنظمة عربية إلا مقدمة لتغيير ثقافي وبنيوي وجوهري في هذه البلدان لصالح رؤاه و خططه المستقبلية بصهيَنة المنطقة: ومن هذا المنظور بالذات فهو يضخّم قدرات كيانه التقنية والتكنولوجية والعسكرية والزراعية ويبثّ الدعايات على أنه قادر على تحويل الصحراء إلى جنان خضراء، وأن من يتّسق بالقول والعمل معه سوف يعبر عتبة مستقبل يحلم به الجميع، ولكن ما لا يتوقف عنده الآخرون هو أنه يعمل على توظيف ثروات وقدرات ومؤهلات هذه البلدان ذاتها التي يفرض هيمنته عليها كي يزيد من شأنه وقوته وقدرته على بسط نفوذه أكثر وأكثر وإيهام العالم أن كلّ ما يتم تحقيقه يعود إلى رؤاه وتدبيره .

من هنا فإن الضرورة تقتضي اليوم التمسّك بما لدينا من مقوّمات الهوية الحضارية والثقافية بغضّ النظر أيضاً عن خيار حكام البلدان العربية الخانعين للضغوط الأمريكية المعادية للوجود العربي وبغضّ النظر عن جامعة عربية لم تسجّل للعروبة أي إنجاز يذكر في تاريخها لأن الثقافة والهوية هما اللذان يحققان الوجود التاريخي والأبدي للشعوب والدول. ولنعلم جميعاً أن المعركة تبدأ اليوم؛ معركة الوجود أو عدمه مع هذا الكيان الغاصب، ولنتعلم من الدروس التي عشناها أو عايشناها في فلسطين؛ فاليوم تنشط العناصر الصهيونية في البلدان الأوروبية والغربية لتشتري من الفلسطينيين ثبوتيات ملكية الأرض في فلسطين حتى وإن كانت أوراقاً قديمة تعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي كي ينسجوا قصصهم بأنهم اشتروا الأرض والبيوت ولم يغتصبوا ولم يهجّروا وهذه إحدى الخطوات التي رسموها في محاولاتهم لإثبات حقهم بأرض فلسطين. ولا نعلم اليوم كم من الوثائق والآثار نهبوا من سورية والعراق وليبيا وتونس والمغرب ومصر والأردن، ولا نعلم ماذا تنسج مراكز الأبحاث الصهيونية العاكفة على كتابة تاريخ جديد للمنطقة قد يصفع أحفادنا على وجوههم بعد عقود قادمة. لدرء كلّ هذا علينا أن نوثّق كلّ ما يتعلق بهويتنا وعروبتنا؛ من مأكلنا إلى ملبسنا إلى موسيقانا إلى أغانينا إلى تراثنا إلى قصصنا ورواياتنا، وعلينا أن نتمسك بثقافة عربية أصيلة لا يجد الاستسلام إليها طريقاً. مهما فعلت الحكومات الفاشلة وطبّعت واحتفلت؛ فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً سوى الاستسلام للعدو إذا ما أمسكت الشعوب بناصية هويتها وتمسكت بها وبجذورها وأورثتها لأجيالها القادمة موثّقة شاهدة على أحقية العرب في هذه الأرض وفي هذا التاريخ. يمكن اعتبار القرن الماضي تجربة خاضها العدوّ الصهيوني في فلسطين، واليوم وفي القرن الحادي والعشرين يعمل على نقل هذه التجربة للبلدان العربية كلّها أو بعضها حسبما تتوافر له الظروف؛ فالمسألة اليوم ليست الانتصار لفلسطين فقط ولكنها الانتصار للذات من البلد والشعب ومستقبل هذا الشعب الذي يدكّ العدو الصهيوني أول الأسافين في مدماك مستقبله سواء أدرك بعض الحكام العرب المنهزمين ذلك أم لم يدركوا؛ فلا أحد يخطب ودّهم أو يبغي صداقتهم أو حتى يكنّ الاحترام لهم ولكن الهدف هو نهب ثرواتهم والاستيلاء على أرضهم ومواقعهم الجغرافية وتحويلهم إلى مأمورين بإمرة الصهيوني، ومصيرهم سيكون كمصير من طبّع مع الصهاينة من الحكام العرب قبلهم؛ فسيعاملهم الصهاينة بإذلال باعتبارهم عرباً مهزومين مستسلمين؛ فتعامُل إسرائيل مع المطبعين قبل التطبيع ليس كمثله بعد التطبيع. فمن يجاهد اليوم فإنما يجاهد لنفسه، ومن يرتمي في أحضان الصهاينة ويطبّع حتى على الهاتف فسيعلم الظالمون أي منقلب سينقلبون.  حين يعتبر العرب أنّ الانتصار لفلسطين هو انتصار ضروري للذات وللهوية، وأنّه لا فرق لدى هذا العدوّ بين أبناء العرب في بلدانهم المختلفة حينذاك فقط نكون قد بدأنا بخدمة فلسطين وخدمة أنفسنا وبلداننا ومستقبل شعوبنا.