لم يستطع العدو الصهيوني منذ تأسيس كيانه الغاصب في فلسطين، رغم كلّ الحروب التي أشعلها في المنطقة، ومواصلته نهجه العدوانيّ المستمرّ، واعتداءاته المتكرّرة التي لا تتوقف، أن ينتزع من اللبنانيين، وبالذات المقاومين الوطنيين الشرفاء، الذين حرّروا الأرض بالدم والروح، إرادتهم وعزيمتهم وثباتهم على صمودهم وتحرير أرضهم، أو النيل من وحدتهم، وإصرارهم على النصر، أو كسر إرادتهم. أو إلحاق الخوف واليأس والإحباط في نفوسهم.

 

 ميادين القتال تشهد لهم، ويشهدها العدو قبل غيره، وهم الذين يعرفون جيداً طريقهم وهدفهم، وماذا يريدون، حيث استطاعوا رغم وجود ترسانة عسكريّة هائلة نوعيّة لدى العدو، أن يفرضوا توازن القوة والردع الى حدّ كبير، ويجعلوا لبنان عصياً على ضربه في أي وقت يريده الأسرائيليون، أو ان ينتزعوا منه اعترافاً بكيانه، أو إقراراً بوجوده، أو توقيع اتفاقية عار يفرضها عليه. مثل ما حصل في يوم مشؤوم في السابع عشر من شهر أيار عام 1983.

فليس للخوف مكان في قلوب المقاومين، ولا في نفوس اللبنانيين، جراء وجود العدو الإسرائيلي على حدوده الجنوبية، فمقاومتهم قادرة في أيّ وقت على صون كرامتهم وحفظ وطنهم، وحماية أرضهم، وهي على استعداد دائم في أي وقت لردعه، ومنعه من أن يكون لبنان وشعبه، لقمة سائغة في فم العدو، وهي التي تعرفه وتعرف نياته العدوانية التوسعية، وما يخبّئه ويبيّته، ويضمره، ويخطط له للبنان ولدول مشرقنا العربي والمنطقة كلها.

 لكن ماذا عسانا أن نقول عن العدو الداخلي للبنان، وكيفية مواجهته لتحصين الجبهة الداخلية، التي هي دعامة أساسية وخط الدفاع الأول عن المقاومة والمقاومين! للأسف الشديد، ما لم يستطع العدو الصهيوني الخارجي أن ينال من لبنان واللبنانيين، وكسر إرادته والقضاء على مقاومته، وجرّه في ما بعد الى سلام الأمر الواقع، كانت الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت لبنان على مدار عقود، أشدّ فتكاً من اعتداءات العدو الإسرائيلي، إذ إنها بممارساتها وسياساتها المدمّرة وأساليبها القذرة، ونهبها للمال العام، والعبث بكلّ مقوّمات الدولة ومؤسساتها، تركت زمرة اللصوص، بمعرفتها ومباركتها ومشاركتها يقوّضون أركان البلد الاقتصادية والمالية والنقدية، ويحمّلون اللبنانيين ديوناً تشل حياتهم، وتنغّص عيشهم لسنوات طويلة، نتيجة سرقاتهم التي تسبّبت في انهيار وإفلاس البلد، وتجويع وإذلال الشعب، وضرب نسيجه الوطني والاجتماعي والمعيشي في الصميم. فالعدو الاسرائيلي الخارجي الذي لم يستطع أن ينال من اللبنانيين، في حياتهم ورزقهم وعملهم، استطاعت الطبقة السياسية الأوليغارشية الفاسدة، طبقة رأس المال والامتيازات، والصفقات والاحتكارات، والتلزيمات المشبوهة للشركاء والمحاسيب، وأسواقهم السوداء المالية والخدمية، أن تكون أشدّ فتكاً من العدو الخارجي الذي نواجهه.

إنّ نهج المقاومة وأداءها وهدفها، لا لبس فيه وهو واضح. وموحّد، مصان، ومتماسك، يعرف ما له وما عليه، وما يجب أن يفعله للوطن. إلا أنّ العدو الداخلي المتمثل بمنظومة الفساد والنهب المنظم التي حكمت البلاد لعقود، لم تبقِ شيئاً للبنانيين إلا وأخذته. دمّرت حياتهم، وقضت على آمالهم ومستقبلهم، وأحبطت تطلعاتهم، وغرست اليأس لدى جيل الشباب بأكمله. زمرة من السارقين، لم يتركوا مرفقاً، أو شاطئ بحر أو ضفاف نهر إلا واستولوا عليه، لم يتركوا مالاً في صندوق إلا وأفرغوه، لم يتقيّدوا بموازنة أو مؤسسة، أو صندوق مال إلا وتجاوزوه والتهموه.

 إنّ الفرق بين العدو الخارجي والعدو الداخلي، هو

أنّ العدو الخارجي، ونحن نواجهه، نعرف ما يريده، وما يخطط له ويقوم به، ونعرف أيضاً كيف نردعه. هذا العدو وضع معظم اللبنانيين أمام مسؤوليتهم الوطنية، ما جعلهم يتوحّدون في ما بينهم، فكان التحرير وكان النصر. لكن العدو الداخلي هو الأخطر لأنه مزق البلد، وجوّع الناس، وجعلهم شتاتاً، تائهين يبحثون عن غد وعمل وعن رغيف خبز. عدو داخلي لم يشهد لبنان مثيلاً له، بجبروته، وظلمه وقذارته، وتوحشه.

 إنّ الخوف على لبنان ينبع بالدرجة الأولى من الداخل، لأن الطبقة السياسية الفاشلة بكلّ المقاييس، لا إرادة ولا قدرة ولا نية لها على إجراء الإصلاح، وهي الغارقة حتى أذنيها في الفساد. لكن مَن يردع هذا العدو الداخلي الشرس الذي دمّر وطناً بأكمله، من أجل مصالحه الخاصة، والذي لن يتورّع وإنْ تطلب منه الأمر، التضحية بلبنان وشعبه بالكامل! لذلك، إنْ لم نقتلعه من جذوره اليوم قبل الغد، نكون قد حققنا ما يريده العدو الصهيوني منا بالواسطة، وهو انهيار سقف الوطن اللبناني على رؤوس الجميع، وتفتيت شعبه ونسيج وطنه.

 فلا ندع سقف لبنان ينهار، فالحفاظ عليه هو بالقضاء على طبقة المفسدين، من دون تردّد أو مساومة أو تباطؤ، وإنْ كان الطريق مليئاً بالحفر، وكان المسار شائكاً وصعباً، وتكلفته عالية الثمن.

 أمام مواجهة الغول الداخلي، عدو الوطن والشعب، وأمام وحوش الفساد المدمرين للبلد، والانهيار الذي نعيشه ويظلّ حتى الآن بلا حلول، فلا نذهب بعيداً لتحييد لبنان في هذه الظروف الحساسة، عن عدوّه، ومنطقته ومحيطه، وأمته، هروباً من الواقع القاتل الذي نحن فيه. فهذا ليس حلاً مجدياً. ما يحتاجه اللبنانيون اليوم، كلّ اللبنانيين، هو تحييد لبنان عن الفساد والفاسدين، وعن كلّ الذين عبثوا بحياة الناس وتآمروا عليه وسرقوه وأفلسوه. هذا هو الحياد الحقيقي المجدي الذي يريده لبنان قبل ايّ حياد آخر. إنّ الاهتمام والانشغال والترويج لحياد لبنان اليوم وهو في حالته المزرية هذه، كمن يهتمّ وينشغل بالبحث عن بدلة جديدة لإنسان وهو في غيبوبة كاملة.

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

(البناء)