Get Adobe Flash player

 

كنتُ أبحث في الموضوع اليمني، فالقاسم المشترك بين الحرب هنا في سوريا، وهناك في اليمن، يتمثّل بأنّ المعتدين انفسهم يشتركون في الحربين. ولكن أعترف أن الأوضاع في لبنان وسوريا، شغلتني فكانت مقالتي عن اليمن تتقدّم ببطء. (ولأني عشت حرب الـ94 في صنعاء، وكتبتُ عنها في حينها، واستمرّ التواصل والنقاش مع بعضِ الأصدقاء الذين يلحّون علي، من حين إلى آخر، بأن أعطي اليمن والحرب الدائرة هناك حقّها في مقالاتي). إلى أن وصلتني هذه الرسالة من صنعاء، ومن صديق يمني، فقرّرت أن أنشرها كما وردتني، وأضعها بين أيدي القارئ. فأنا أتبنّاها كاملة، دون زيادة أو نقصان.

«عزيزتي ثريا...

أتذكرين اليمن؟ لقد كان لليمن حظّ من «الثورات» العربية. ثورة 11 فبراير 2011 في اليمن، وتمخّضت فولدت سلطة توكّلت إخضاع البلاد لآل سعود. لم تشذ ثورتنا إذن عن الأصول، فهي كمثل الثورات العربية الأخرى، معمودية ضرورية وإلزامية للدخول في عصر مشايخ الخليج.

لا أدري ما الذي يجري في ليبيا!. ومن المرجّح أنّ «ثورة» آل سعود في سوريا تعترضها صعاب وعقبات. فاقتضى الأمر استدعاء قوات حلف الأطلسي مرة ثانية، ولكن دون الرجوع هذه المرة إلى مجلس الأمن الدولي، ودون استخدام وكالة مزورة من أمين عام جامعة الدول العربية. أما في مصر وتونس، فمن المعروف أنّ الأوضاع في هذين البلدين تطلّبت ثورة ضدّ «الثورة الخليجية» أو بتعبير أدقّ، فضّل الناس السلطة السابقة على سلطة الإخوان المسلمين!

تكرّرت هذه التجربة أيضاً في اليمن، فالحرب الدائرة أصلها ثورة ضد الثورة الخليجية ـ الإخوانية. القصد هو تخليص اليمن من هيمنة آل سعود، ولكن يبدو أنّ الحلف الأطلسي، بما هو جهاز شُرَطي قمعي معولم، يمنع الفقراء والمساكين من «الثورة». بكلام أكثر وضوحاً وصراحة، إنّ الحلف الأطلسي يشن حرباً من أجل إعادة بسط قانون آل سعود واستعادة ملكيتهم على اليمن.

من المعروف أنّ سفناً من الأسطول الأميركي، نفّذت تحت راية جيش الإمارات، عملية إنزال في مدينة عدن. كان ذلك إعلاناً ببدء الحرب البريّـة، بموازة القصف الجوي المستمر منذ شهر آذار 2015. نجم عنه اضطرار خصوم آل سعود إلى التراجع عن بعض المواقع التي كانوا يسيطرون عليها. يمكننا القول إنّ خطة الإستيلاء على اليمن بلغت في الراهن مرحلة الاستعداد لحصار صنعاء. التي تتعرّض يومياً لموجات متتالية من الغارات. من المحتمل أن تتّجه الحشود العسكرية «الخليجية» نحو صنعاء تبعاً لثلاثة محاور.

- المحور الأول، انطلاقاً من ميناء الحديبة على البحر الأحمر.

- المحور الثاني يبدأ من مدينة تعز جنوباً.

- أخيراً المحور الثالث، الذي يُفترض أن يكون مسارَ القوّات التي تحاول أن تتجمّع في مدينة مأرب شرقاً حيث تُـفيد الأنباء بأنّ عديدها بات يزيد عن 15000 جندي، بعد أن انضمّت إليها فرق وآليات عسكرية من الدولة التي يتعدّى عدد طائراتها ودباباتها عدد سكانها.. أعني قطر دولة الأمير والمفكر والمقاوم والقرضاوي!

مهما يكن، فمن المرجّح أنّ الوصول براً إلى صنعاء، ليس سهلاً، فخطوط المواصلات غير آمنة أو ما تزال تحت سيطرة الحوثيين. في السياق نفسه، تحسن الإشارة إلى أنّ انتصار آل سعود في اليمن سيكون على الأغلب كارثة كبيرة على سكانه، أشدّ إيلاماً وأعظم خطراً من الفاجعة الليبية. نجد الدلائل على ذلك، في انتشار اللصوص والعصابات والمتطرفين في المناطق التي انسحب منها الحوثيون تحت وطأة النيران الأميركية والسعودية. إلى جانب ظهور تشكيلات عسكرية تابعة لوكالات أمنية أجنبية في الأماكن التي توجد فيها آبار النفط ومحطات تصفيته وأنابيب نقله.

تتطلّب في الواقع الإحاطة بالمسألة اليمنية، ورصد التوقّعات المحتملة في المدى المنظور، إدخال عاملين هامين، أو بالأحرى إدخال العامل الإسرائيلي الذي يؤثّر بحسب رأيي في حرب آل سعود على اليمن، بطريقتين، أو قل إنّ هذا العامل الإسرائيليّ له وجهان : وجه الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية، والمستعمرون الإسرائيليون جزء منها، هذا الوجه الإمبريالي معروف وحاضر طبعاً على الساحة اليمنية إلى جانب الدول الخليجية. يلزم التذكير هنا بأن هذه الإمبريالية أقامت قواعد لها في جيبوتي وفي شمال الصومال بعد تفكيك الدولة الصومالية واقتطاع ما بات يُسمّى «صومال لاند» حيث توجد تحديداً، قاعدة عسكرية إسرائيلية. إنّ عرض مضيق باب المندب، أي المسافة التي تفصل بين الساحل اليمني وبين ساحل الصومال يساوي ثلاثين كلم.

أمّا الوجه الثاني للعامل الإسرائيلي، فإنّ استشفافه يكون منطقياً من خلال الدور الذي تمارسه حالياً الحكومتان المصرية والأردنية، في اليمن إلى جانب آل سعود، وإلى جانب المستعمرين الإٍسرائيليين أيضاً، ربطاً بما بيّنا أعلاه، بناءً على المعلومات التي تُفيد عن تواجد عسكري إسرائيلي على مدخل مضيق باب المندب، وفي «صومال لاند» تحديداً».

ووضعاً للأمور في نصابها الصحيح، ومنعاً للمهاترات، إنّ أصل الارتياب من الدور الذي تمارسه كلٌّ من مصر والأردن، في الشأن العربي، مردّه إلى الاتفاقيات التي تربط هذه البلدين بدولة المستعمرين الإسرائيليين. بتعبيرٍ آخر، إنّ السلطتين المصرية والأردنية اتّخذتا دائماً، بعد توقيع اتفاقيّتي كامب دايفيد ووادي عربة، في المنازعات، اللبنانية ـ الإسرائيلية، والفلسطينية ـ الإسرائيلية، والسورية ـ الأميركية السعودية التركية، مواقف تحاكي في جوهرها الموقف الإسرائيلي. لا أعتقد أنّنا لسنا بحاجة لتعداد الأمثلة على ذلك.

(الديار)