Get Adobe Flash player

يجري التداول بمعادلة تحاول قراءة التبدّل الحاصل في الإدارة الأميركية، بصفته انتقالاً من مشروع الرئيس السابق دونالد ترامب “الانعزالي” الذي لا يهتمّ بعلاقات أميركا في العالم، تحت شعار أميركا أولاً، إلى مشروع الرئيس جو بايدن القائم على عودة أميركا كما قال بايدن الى العالم والانخراط في مكانتها بين دول العالم، والعلامة الفارقة تمثلت بانسحاب ترامب من الاتفاقات الدولية وعودة بايدن إليها، خصوصاً اتفاق المناخ الخاص بتلوث البيئة، والعودة الى منظمات الأمم المتحدة التي قرر ترامب الانسحاب منها وفي طليعتها منظمة الصحة العالمية.

اِقرأ المزيد: أميركا أولاً: ترامب أم بايدن؟: ناصر قنديل

مع مرور أسبوعين فقط على توليه الرئاسة الأميركية، أطل جو بايدن ووزير خارجيته ببيان رئاسي حول السياسة الخارجية تضمن شرحاً لمبادئ العودة الى الدبلوماسية، تجاهل فيه الملف الأشد أهمية في السياسة الخارجية، الذي عيّن له أول مبعوث رئاسي، هو الملف النووي الإيراني، مانحاً الفرصة للاتصالات الجارية بصدده لتستكمل مسارها بهدوء وصمت، لكنه وعلى الملأ وبوضوح سياسي تبنى مبادرة عملية وحيدة، هي وقف صفقات الأسلحة إلى السعودية والإمارات وإعلان نيات يقوم على وقف الحرب على اليمن، وبيان وزاري مشترك مع فرنسا يتحدث حصراً عن لبنان وملفه الحكومي. وبعد مرور أسبوعين كاملين بالمقابل، لم يبادر الرئيس الأميركي ولا وزير خارجيته على إجراء محادثة تقليدية كان يجريها كل رئيس جديد ووزير جديد برئيس حكومة الاحتلال ووزير خارجيته خلال الأيام الأولى لتوليهما منصبيهما، وبالتوازي خلا البيان الرئاسي من أي إشارة للعلاقات الأميركية الإسرائيلية.

اِقرأ المزيد: بايدن يبدأ من اليمن… ولبنان: ناصر قنديل

خلال أربعة عقود على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، صعدت إمبراطوريات وتفككت إمبراطوريات، وخيضت حروب وقامت ثورات، وعُقدت أحلاف وتفككت أحلاف، وبقيت هناك ثابتة لا تتغير، وهي أن هناك قوة صاعدة في المنطقة فرضت حضورها بإمكاناتها الذاتيّة في ظل قرار مستقل، وواجهت حروباً ومؤامرات ومحاولات حصار وعقوبات، وبقيت تحافظ على تقدّم متواصل، فبنت قدرة عسكرية أثبتت جدارتها في مواجهات نوعيّة مع أعظم قوة عسكرية في العالم، وبنت قدرة تكنولوجية انتزعت اعتراف أعدائها قبل الأصدقاء بجدارتها وأهليتها. وفيما كانت القوى الممسكة لعقود بقرار الشرق الأوسط، الموزّع بين حليفين لواشنطن في تل أبيب والرياض تتراجع، وتخوض حروباً فاشلة، ويفلت الشرق الأوسط من بين أيديها رغم المقدرات الهائلة المالية والعسكرية ومن خلفهما الدعم الأميركي المفتوح، فلا “إسرائيل” بقيت صاحبة اليد العليا عسكرياً في المنطقة، ولا السعودية عادت صاحبة اليد العليا السياسيّة في المنطقة. وقد تحللت منظومات الهيمنة العسكرية الإسرائيلية على كل الجبهات، كما تحللت منظومات الهيمنة السياسية السعودية بدءاً من المؤتمر الإسلامي الى الجامعة العربية وصولاً لمجلس التعاون الخليجي، رغم كل محاولات التأكيد والصراخ من الفريقين السعودي والإسرائيلي على أن شيئاً لم يتغير، وبدلاً من أن يؤدي التحالف الخليجي الإسرائيلي إلى تفعيل مقدرات القوة صار هدفاً يحتاج للحماية.

اِقرأ المزيد: هكذا صارت العلاقة مع إيران مفتاح الشرق الأوسط بمناسبة الذكرى 42 لانتصار الثورة الإيرانيّة: ناصر...

 

ينقلب الذين كانوا يروّجون دائماً لكون لبنان وسورية تحت مجهر المتابعة الدوليّة، والأميركية خصوصاً، الى حد تصوير حال البلدين ترد في برقية موجزة للرئيس الأميركي كل صباح مع الفطور، للتحدث عن هامشية الاهتمام الأميركي بسورية ولبنان، والتبدّل ليس نتاجاً لوطنية هبطت عليهم فجأة، فما عاد يهمهم الاهتمام الغربيّ عموماً والأميركي خصوصاً، بل لسببين ظاهرين، الأول أن مصدر هذا الاهتمام عائد لما يكرهونه ويرفضونه في البلدين، وهو حال المقاومة والصمود التي يريدون تحميلها مسؤولية تهميش كل من البلدين، والثاني أن وجهة هذا الاهتمام ليست في الاتجاه الذي يرغبونه، وهو التحضير لمزيد من الحروب ومزيد من العقوبات، كانوا دائماً من المحرّضين عليها. وهكذا فجأة بتنا نقرأ لأقلام يسميها البعض مرموقة، أصحابها نجوم صحف عربية مموّلة خليجياً، ونجوم إعلام العلاقات العامة الذي يكثر من الضجيج ويفتقد السعي للحقيقة.

اِقرأ المزيد: سورية ولبنان ليسا ضمن الأولويّات الأميركيّة؟: ناصر قنديل

مع بداية التزام الرئيس الأميركي جو بايدن بالعودة للاتفاق النووي مع إيران، حمل خطاب بايدن كل الموروث المرافق لمرحلة سلفه الرئيس السابق دونالد ترامب، موزعاً على نوعين من العقد، فتحدث في العنوان الأول عن حتميّة العودة للاتفاق النووي مع إيران مضيفاً ثلاثة شروط، الأول البحث بمستقبل ما بعد نهاية مدة الاتفاق بعد خمس سنوات، والثاني الصواريخ البالستية الإيرانية، والثالث الأوضاع الإقليمية وما يُسمّى بالنفوذ الإيراني فيها، وفي العنوان الثاني ربط بايدن العودة الأميركية للاتفاق بالعودة الإيرانية لشروط الاتفاق أولاً ومن ثم التحقق من هذه العودة وعندها ستفعل واشنطن المثل، ودائماً كان بايدن وأركانه يتحدّثون عن إنجاز كل ذلك بالشراكة مع الحلفاء.

اِقرأ المزيد: كيف سيخرج الأميركيّون من عنق الزجاجة؟: ناصر قنديل