Get Adobe Flash player

يمكن لكل مَن ينطلق من موقعه الخاص السياسي او الطائفي او الشعبي او المصلحي في النظر الى المشهد اللبناني أن يتبنى الدفاع والتبرير عن واحدة من الممالك السياسية والقضائية والإعلامية والأمنية، ويصوّرها كامرأة القيصر فوق الشبهات، ويذرف دموعه على مظلوميّة واحدة من هذه الممالك، لكن الحقيقة المرّة هي أن الاهتراء الذي أصاب البلد يجعل كل شيء مصاباً بالداء ذاته، من السعي للبقاء فوق القانون أولاً، إلى تغوّل الشخصنة والأنا ثانياً، إلى إباحة التطلع نحو موقع المقبولية في الخارج والتعاقد الوظيفي معه، وتسويقها كعمل مهني مجرد ولو من خارج اي اتفاقيات ومعاهدات يفترض ان تنظم اي دور خارجي في اي قطاع او مجال عمل وظيفي لمؤسسات الدولة.

اِقرأ المزيد: ممالك السياسة والقضاء
 والإعلام والأمن: ناصر قنديل

تغير الأولويّات الأميركيّة لصالح الداخل الأميركي المفكك والمنقسم والمأزوم، كما وصفه الرئيس الأميركي جو بايدن، أو لصالح مواجهة تحديات بحجم التفوق الصيني الاقتصادي والتفوق العسكري الروسي، كما كتب بايدن في مقالته التي نشرها في مجلة الفورين أفيرز قبل أقلّ من سنة، يعني أن منطقة الشرق الأوسط التي شكلت خلال عقدين مسرح الحركة الأميركية الرئيسي عسكرياً وسياسياً، ستشهد إعادة تموضع جديدة وفق قواعد يسمّيها بايدن ربط التحالفات بحساب المصالح العليا للأمن القومي الأميركي في استخدام القوات الأميركيّة، وقواعد موازية يسمّيها بايدن الاستناد الى أطر قانونيّة قابلة لتشكيل إجماع دولي، مثل الاتفاق النووي مع إيران، وصيغة حلّ الدولتين للقضية الفلسطينية، وبنتيجة هذا التموضع الأميركي الجديد ستصاب الاندفاعة الأميركية التي شهدناها في ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب، لترجمة خطة تحالف ثلاثي أميركيّ إسرائيليّ سعوديّ للتصعيد في المنطقة، والنتيجة أبعد من التراجع الذي سيصيب الثنائي الإسرائيلي السعودي، الذي سينال الحماية الأميركيّة من دون أن تنال مشاريعه الانخراط الأميركي. فالنتيجة هي فراغ استراتيجيّ ناشئ عن التراجع الأميركي بعدما ملأته الإدارات المتعاقبة بما فيها إدارة باراك أوباما وجو بايدن، بالحروب الخشنة أو الناعمة والفتن، في ظل عجزها عن ملئه بمشروع سياسيّ قادر على استقطاب القوى الفاعلة في المنطقة لبناء نظام إقليميّ صلب قادر على صنع الاستقرار، فمن سيملأ هذا الفراغ؟

اِقرأ المزيد: مَن سيملأ الفراغ الأميركيّ؟: ناصر قنديل

 

مع نهاية الأسبوع يدخل العالم مرحلة حبس أنفاس، فالأسبوع المقبل يبدأ مع نهاية المهلة التي حدّدتها طهران، للخروج من آخر الضوابط التي تربطها بالاتفاق النووي الذي انسحبت منه واشنطن قبل ثلاثة أعوام، والمهلة الإيرانية المحددة بقانون عن مجلس الشورى غير قابلة لتعديل ما لم يحدث شيء ذو قيمة على مستوى العودة إلى الاتفاق، لا يقتصر على تقديم تطمينات، بل يتضمن إجراءات وخطوات عملية يمكن أن تقتنع بها الحكومة الإيرانية وتستطيع أن تقنع بها مجلس الشورى، والجهات الفاعلة في المجتمع والدولة الذين ينطلقون من اللا ثقة بكل ما يصدر عن واشنطن بدليل ما أصاب الاتفاق الموقع والمصدَّق عليه بقرار من مجلس الأمن الدولي، والذين ترجموا مشروعهم البديل على لسان وزير الأمن الإيراني بالدعوة لامتلاك إيران لسلاح نووي، وهو أمر يستحيل أن يصدر عن موقع رسمي بصورة تمثل تمرداً على فتوى الإمام الخامنئي بمقدار ما تجب قراءته كتعبير عن وجود دراسة لدى الإمام الخامنئي نفسه لإعادة النظر بفتواه، كما سبق وأشار الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لما وصله عبر وسطاء موثوقين، كما قال، لخطورة مواصلة الضغط على إيران استناداً الى الاطمئنان للفتوى التي تحرّم إنتاج سلاح نووي، وهو ما يؤكد القادة الإيرانيون خطورته، لأن هذه الفتوى لم توضع لإضعاف إيران، بل لتقديم إيران لنموذج إنساني متقدم تسقط مبرراته عندما يظهر الآخرون في العالم نياتهم العدوانية.

اِقرأ المزيد: الأسبوع الحاسم في المنطقة والعالم: ناصر قنديل

كما في كل مرة تحيي المقاومة يوم شهدائها القادة، تتقدّم المعادلات الحاكمة لصراعها مع كيان الاحتلال وجيشه إلى الواجهة، وتكون معادلات سيد المقاومة في هذا اليوم إطاراً حاكماً لقوانين الصراع لسنة مقبلة، ومعادلة هذه السنة عنوانها، أنه زمن محور المقاومة، والأمر ليس تفاخراً بتزيين صورة الواقع وفقاً للتمنيات والرغبات كما فعل رئيس أركان جيش الاحتلال أفيف كوخافي، بل نتاج قراءة واقعية لحاصل مواجهات السنوات الماضية ونتائجها على موقع حامي الكيان وراعيه الذي تمثله واشنطن، وانعكاس المتغيرات الأميركية على كيان الاحتلال وقدرته على المبادرة، ومصير حروبه ورهاناته ومشاريعه السياسية، من جهة، ومن جهة مقابلة مسار تنامي القدرات والجهوزيّة للحرب على ضفتي محور المقاومة وكيان الاحتلال.

اِقرأ المزيد: زمن محور المقاومة: ناصر قنديل

بين دعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي لمؤتمر دولي لحل الأزمة اللبنانية، وتخيّل الطابع المحلي الصرف للأزمة الحكومية، تشابه لجهة الاستحالة في الحالتين. فالمؤتمر الدولي ليست مشكلته فقط أنه يفتح بازار التقاسم الدولي للمصالح والنفوذ، ويجعل لبنان مجرد قطعة جبنة، بحيث يؤول النفط والغاز لطرف، والحدود لطرف، والكهرباء والمرفأ لطرف، وتتشكل حكومة بتوازنات القوى الدولية والإقليمية، وخطوط هاتف مفتوحة من مجلس الوزراء لعواصم القرار بدلاً من زعماء الطوائف. فالقضية في المؤتمر الدولي أولاً وأخيراً هي الاستحالة، لأن الدعوة مؤسسة على وهم أن الدول تأتي غبّ الطلب، بينما لبنان بعيون الدول جزء من رؤيتها للمنطقة، وعندما تنضج الرؤى للتلاقي على حل لن يحتاج الى مؤتمر دولي، أما دعاة الحلول الداخلية فيعيشون وهماً آخر، وهو الاعتقاد بأنه يكفي عدم وجود قوى معرقلة خارجياً لولادة الحكومة كي يلتقي المعنيون في الداخل وتولد الحكومة. وهذا غير صحيح.

اِقرأ المزيد: لا حكومة من دون تدخل خارجيّ رغم "لبنانيّة الخطابات": ناصر قنديل