Get Adobe Flash player

ما شهدته فيينا أمس، خلال الاجتماع الموعود للدول الموقعة على الاتفاق النووي بعد الانسحاب الأميركي منه، جاء على إيقاع تهديدين واحد أميركي لكل من يحاول المتاجرة مع إيران يختصره ما قاله المبعوث الأميركي الخاص حول إيران بريان هوك مخاطباً الأوروبيين، عليكم أن تختاروا بين واشنطن وطهران، وتهديد إيراني بخروج وشيك من موجبات الاتفاق النووي، يتم الاستعداد لتطبيق مفاعيله، عبر عنه الكلام الإيراني عن الصبر الذي نفد وعن رفض التطبيق الأحادي دون شركاء للاتفاق النووي لأكثر من سنة ونيّف كانت كافية لسائر الشركاء لإثبات شراكتهم، وجاءت النتيجة بالإعلان عن تفعيل فوري للآلية الأوروبية المالية البديلة للسويفت الذي تفادت عبره إيران العقوبات قبل الاتفاق النووي والذي سيطرت عليه أميركا مع انسحابها من الاتفاق.

Read more: روسيا والصين وإيران... وانتصار فيينا: ناصر قنديل

من الطبيعي بعد تقييم جولات المواجهة التي عرفتها الجبهة الأميركية الإيرانية منذ الإعلان الأميركي عن إلغاء الاستثناءات الممنوحة على العقوبات المفروضة على مستوردي النفط الإيراني، أن يرسم كل فريق خطته على أبواب انعقاد منصتي تفاوض عالميتين فاصلتين عن جولة المواجهة المقبلة. المنصة الأولى هي في اجتماع الدول الموقعة على الاتفاق النووي في فيينا بغياب أميركا التي انسحبت من الاتفاق، والعنوان هو كيفية حماية الاتفاق وبالتالي كيفية الالتفاف على العقوبات الأميركية بما يتيح لإيران البقاء تحت سقف الاتفاق. والمنصة الثانية هي اللقاءات التي ستعقد على هامش قمة العشرين التي تستضيفها اليابان. ومعلوم أن أغلب لقاءاتها الثنائية والمتعدّدة والتي سيكون الرئيس الأميركي طرفاً فيها سيكون موضوعها إيران.

Read more: مَنْ يملك المبادرة في الحرب النفسية؟: ناصر قنديل

 

يستطيع جارد كوشنر أن يقول إنه فوجئ بالموقف الفلسطيني الجامع في رفض مشروعه المسمّى صفقة القرن، والذي سخّر في التحضير له سنوات وجوده في البيت الأبيض كصهر ومستشار، ووظف لضمان المشاركة الفلسطينية الجزرة الخليجية والعصا الإسرائيلية خلال هذه السنوات وفشل، لكنه لا يستطيع القول إن هذه المقاطعة الفلسطينية بما تشكل من بداية مواجهة لإسقاط مشروع صفقة القرن، وما استنهض من مواقف مساندة لها عربياً ودولياً، تجعل تفاؤله بمشروعه ومستقبل هذا المشروع في مكانهما، فقد بات واضحاً أن الامتحان الأهم لهذا المشروع قد انتهى، وأن ما سيأتي سيكون أشد إيلاماً، فلن تقوم لهذا المشروع قائمة في فلسطين وبين الفلسطينيين، وما قسمته مشاريع التسوية في صفوفهم وحّدته صفقة القرن، وما ضيّعته السياسات الأميركية التفاوضية من بوصلة بعضهم صوّبته صفقة القرن، والآتي أعظم.

Read more: فلسطين تُسقط «الصفقة» والخليج يحتضن "القرن": ناصر قنديل

أفرغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل الخرطوش الذي كان في جعبته، فقال كلاماً أقل ما يُقال فيه إنه فوق الأساطيح، لا صلة له بالواقع ولا بالوقائع. فمرة يهدد إيران بالمحو عن الخريطة وهو لم يجرؤ على الرد على إسقاط درة تاج التكنولوجيا التجسسية في جيوشه وأغلاها ثمناً. ومرة يصف الإيرانيين بالغباء وقلة الذكاء وقد نجحوا خلال أربعة عقود بإفشال كل معادلات الإدارات الأميركية المتعاقبة صاحبة العقول الذكية والصواريخ الذكية والحرب الذكية، وتحوّلوا مصدر القلق اليومي وعلى مدار الساعة في البيت الأبيض، وتبجّح ترامب بالعقوبات التي قال مستشاره للأمن القومي الذكي جداً جون بولتون، إنها تجعل إيران على حافة الانهيار، بينما قال ترامب إنها تحتاج زمناً طويلاً، بينما تحديات إيران النووية والمتصلة بالملاحة النفطية لا تمنح سوى وقتاً قصيراً للتصرف، لكن ترامب الذي لم يبخل على الكونغرس بهلوسات تحاكي هلوساته عن إيران، مهدداً ومتوعداً بعدما قرّر الكونغرس الاستماع إلى المحقق الخاص روبرت مولر، وحزم حقائبه نحو قمة العشرين التي تنعقد في اليابان.

Read more: ترامب بين نهاية التهديدات وبدء المفاوضات... قبل الخيارات الصعبة: ناصر قنديل

ستكشف الأيام أن أشد قرارات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب غباءً وأكثرها تعبيراً عن الجهل والأمية السياسية هو قرار تبني حل للقضية الفلسطينية يلبي المطالب الإسرائيلية بالكامل ويتجاهل الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية بالعودة والقدس وتقرير المصير، مستنداً إلى الاطمئنان لوجود الحكومات العربيّة في قبضته، ومتوهّما أن مقايضة القضية الفلسطينية بالمال أمر ممكن أن يكتب له النجاح، وأن الكتلة العربية الرسمية لن تجرؤ على التمرد على قراره. وهنا من المفيد أن نستذكر كلاماً لوزيرة الخارجية ومستشارة الأمن القومي الأميركي سابقاً غونداليسا رايس في مقال لها في النيويورك تايمز أول أيلول 2000 بعد دخول ارئيل شارون إلى المسجد الأقصى، قالت فيه إن شارون أطاح عقوداً من النجاحات الأميركية بجعل القدس وفلسطين والعروبة من المفردات المنسيّة، وأعادها إلى الضوء مذكراً شعوب المنطقة بهويتهم الجامعة، محرجاً حكومات قطعت مع واشنطن أشواطاً في التعاون لتدمير هذه الهوية الجامعة.

Read more: مؤتمر المنامة ومأزق السياسات الأميركية!: ناصر قنديل