Get Adobe Flash player

يخشى الكثيرون من المؤمنين بالمقاومة أن يتحول الحراك الشعبي إلى منصة لاستهداف المقاومة. وهذه الخشية من محاولات الاستخدام والتوظيف تستند إلى خبرات ومعلومات ووقائع كثيرة لا حاجة لذكرها، لكن السؤال حول قدرة أصحاب هذا المشروع على الفوز به شيء مختلف عن وجود المشروع وتسخير إمكانات إعلامية ومالية وتنظيمية واستخبارية لإنجاحه، وما يصحّ في البلدان التي لا وجود للمقاومة فيها لا يصحّ حيث للمقاومة تاريخ عريق وبعد شعبي عميق، وجذور راسخة في الوجدان الجمعي للبنانيين يجعلها بمنأى عن الخطر، وسيكتشف كل مَن يحاول تصعيد خطاب بحجم التأشير على المقاومة بصفتها مصدر الأزمة وعنوان الاستهداف أنه يفقد صدقيته في الحراك، أو يدفع بالحراك للجفاف الشعبي ويصير الانفضاض من حول الحراك إذا صعدت عناوين تستهدف المقاومة تحصيل حاصل، ولذلك تصير المبالغة بالتحذير من هذا الخطر كتجاهل وجوده سيفاً ذا حدّين.

Read more: ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة ليست عسكرية فقط: ناصر قنديل

لا تستطيع الحكومة أن تُنكر أن ما أقرّته لم يكن برنامجها الأصلي ولا برنامج رئيسها، وأنه ما كان ليكون لولا الحراك الشعبي الهادر في الشارع، ليس في صيغة الحزمة الكييرة للقرارات التي كانت تستهلك سنوات لتوضع على الطاولة وحسب، بل بمضمون مغاير لما كان يدور حوله النقاش تحضيراً للموازنة. فصرف النظر عن الضرائب على المواطنين، وتحميل مصرف لبنان والمصارف عبئاً أساسياً من سد العجز في الموازنة، وتطبيق تقشف واسع النطاق في الإنفاق الحكومي، وفتح ملف الأموال المنهوبة والمساءلة، هي توجهات كانت مرفوضة في السياسات الحكومية السابقة، وإقرارها هو محاولة لملاقاة الغضب الشعبي في منتصف الطريق، وهذه حصيلة تُكتب للشعب، ويُقدَّر بالمقابل للحكومة تلقي صرخاته، ولو متأخرة وناقصة وتحوم حولها تساؤلات الصدقية في التنفيذ.

Read more: المساكنة الإلزامية بين الحراك والحكومة: ناصر قنديل

الأكيد بالنسبة للذين لا مصالح لهم في قراءات محرّفة للواقع، أن الساعات الأولى من ليل أول أمس، حملت أول انتفاضة شعبية سلمية مدنية عابرة للطوائف والأحزاب في تاريخ لبنان، توحّد خلالها الشعب بوجه شعور بالاستهتار بأوجاعه، عبّر عنه ما بدا أنه تمرير لقرار الضريبة على الواتساب، بين مَن اقترح ومَن وافق ومَن اعترض وتحفّظ واكتفى بذلك، أو مَن أنكر أن هناك قراراً وصمتاً على ترويج القرار حتى منتصف الليل.

Read more: لبنان على مفترق... والقلق يتفوّق على الأمل: ناصر قنديل

وسط الصخب الذي يتحوّل إلى نوع من المعزوفة الصماء تحت شعار، لا صوت يعلو فوق صوت الثورة، لا بدّ من مناقشة ما يجري بلغة العقل، وإشعال الضوء على الزوايا المظلمة، في توقيت سياسي واجتماعي يلاقي فيه برميل البارود عود الكبريت، ورؤية موقع ما يجري في الساحة السياسية قياساً بما يجري في الحراك الشعبي الذي تحول احتفالات غنائية يوم أمس، وغابت عنه حلقات النقاش التي يُفترض أن تنتشر في أنحاء الساحات، تتداول بالخيارات، وتشكل لجان التنسيق، ليبقى الحراك بلا قيادة وهدف واضح عرضة للتجاذب والتأويل، وربما التوظيف في التوقيت المناسب.

Read more: التعمية بالشعارات الكبيرة مصدر خطر: ناصر قنديل

ليس مهماً التدقيق في كيف كان الأمر تداولاً وكيف صار قراراً. فالضريبة على الواتساب أشعلت الشارع بمعزل عن هذا التفصيل لسبب بسيط، هو أن اللبنانيين باتوا يعرفون ما يُسمّى بجس النبض بتمرير الجرعات. فالتداول يصير قراراً، إذا مر بلا رد فعل بحجم رادع. وهذا ما يفعله الشارع، والحديث عن تسييس محض كذب. فالكل ممن في عالم السياسة يخشون انفلات الشارع، حتى من يتفهّم منهم أوجاع الناس ويحاول تمثيلها، والحقيقة التي نعرفها من الشارع هي التنوّع واللاحزبية والغياب الكامل لدعوة من جهة بعينها، إلا من باب الاستلحاق بعد رؤية موجة الغضب العارم.

Read more: عندما تكون الحكومة مسؤولة... تقيل الوزير أو يستقيل: ناصر قنديل