Get Adobe Flash player

كتب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني خالد حدادة مقالاً نشره على صفحته على الفايسبوك، يناقش فيه المواقف التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في إطلالته الأخيرة حول الحراك الشعبي والمخاطر والمخاوف والشعارات. ولغة حدادة القاسية الأقرب إلى نبرة القطيعة وليس الحوار، تستحق النقاش كما الحجج التي ساقها لتفسير موقفه، ليس فقط لكونها تعبّر بصورة غير رسمية عن مواقف تفسر اصطفاف الحزب الشيوعي اللبناني، وتفلسف هذا الاصطفاف، بل أيضاً لأنها الأشد جرأة ووضوحاً من بين همهمات في صفوف الكثير من اليساريين والوطنيين الذين يدعون حزب الله للانخراط في الحراك ودعمه والمشاركة في قيادته، ويأخذون عليه عدم ترجمة ما قاله من تقدير وتفهّم لأسباب الحراك ودوافعه بالانخراط فيه، بل بتغليب موقف التحفظ والحذر من الأفق الذي يرسمه الغموض في قيادة الحراك الفعلية، رغم طمأنة حدادة بأن كل شيء سيكون تحت السيطرة، لأن الفقراء في الشارع والمدافعين عن حقوقهم هم الذين سيحصنون الحراك كما حصنوا ويحصنون المقاومة .

Read more: مناقشة هادئة لخطاب خالد حدادة الغاضب: ناصر قنديل

سيأتي الجواب سريعاً من البعض على هذا السؤال بأن الشعب الذي انفجر غضباً على حكامه لشدّة وقسوة ما يعاني من بطالة وفقر وغياب للخدمات، وعلى ما يشهد من فساد ومحاصصات واستهتار بمطالبه، أطلق الدعوة لسقوط الحكام بلا تمييز ومنها شعار كلن يعني كلن ، ولكن هذا الجواب ينفي الدعوة لحكومة إنقاذ، في معرض السعي لتفسيره، لأن سقوط الجميع كان ولا يزال يتردد عفوياً على ألسنة الكثيرين، رغم كونه عدمياً ولا يقدم حلاً. وهذا طبيعي في مناخ انتفاضة شعبية، لكن التدخل السياسي لتلبيس المناخ شعاراً مدروساً يأتي من مكان آخر، والشعار الذي يتحوّل تدريجياً إلى شعار رسمي للحراك مختلف وهو تشكيل حكومة إنقاذ. وهذا هو دور النخب التي تقود الحراك فعلياً. وهو الدور الذي فشلت في أدائه بالتوازي والتنافس النخب التي تدّعي وصلاً بالمقاومة وبالحرص على الخلاص من الفساد ونظام الطائفية والمحاصصة، في مقابل أصحاب شعار حكومة الإنقاذ، فلجأت إلى تبني الشعار وترويجه دفاعاً عن عجزها وضعف وسائل تأثيرها في الساحات. فهي لا تملك الإعلام العملاق الذي يملكه المنافسون، ولا جمعيات ومنظمات غير حكومية بالعشرات، ولا يسير وراءها مؤيدون بالمئات من الناشطين بين الناس، ولا تتلقى تمويلاً يتيح لها بناء ما يوازي ذلك، وكان رهانها أن تقيم التوازن مع هؤلاء الذين تعرفهم وتنكر وجودهم ودورهم وتأثيرهم ومشروعهم، من خلال الاستثمار على وزن المقاومة كشريك في الحراك، والرهان على أن المقاومة لا تملك امتدادات عابرة للطوائف ولا خطاباً اجتماعياً يستند للخبرة التي يملكها متخرجو الأحزاب اليسارية، فيصيرون هم رموز حضورها والتوازن الذي تقيمه ويفرضه وجودها، وهذا ما يفسّر غضب هؤلاء من إعلان المقاومة قرارها بالانسحاب.

Read more: مَن وضع للحراك شعار «حكومة إنقاذ»؟: ناصر قنديل

لم تحقق كلمة رئيس الجمهورية الاختراق المأمول في الشارع، رغم ما تضمنته من تأكيد للنيات الإيجابية تجاه التعامل مع ملفي مكافحة الفساد والتعديل الحكومي، كعنوانين كبيرين للحراك، لأن الاستقطاب بلغ الذروة مع مقدرات إعلامية هائلة لتجذيره في ظل وجود مسارين في الحراك: مسار شعبي يساوي بين المسؤولين عن الحكم، رغم تمييزه لرئيس الجمهورية بحصر مسؤوليته في العجز عن ترجمة وعوده بمواجهة الفساد والفاسدين، والحديث عن اتهامات تطال بعض مَن هم حول الرئيس لا يصل حدّ ما يوجهه أهل هذا المسار من مضابط اتهام للذين بدّدوا المال العام وراكموا الديون خلال السنوات الثلاثين الماضية، بينما مسار آخر في الحراك مدعوم من المؤسسات الإعلامية الراعية والأحزاب الشديدة التنظيم والقوية العصبية، يتحدث عن كلن يعني كلن ، ليطال المقاومة بسهام الفساد من جهة، ويمرّر من جهة مقابلة تسليمه باتهام المسؤولين الفعليين عن تراكم الفساد وضياع المال العام، من باب رفع العتب، لأنه يريد للحديث عن إسقاط الحكومة شيئاً آخر هو بلوغ مرحلة المواجهة المباشرة مع رئيس الجمهورية، كغطاء للمقاومة. وفي ظل هذا الاستقطاب الحادّ تصير خلاصة الحراك معقدة لصعوبة فصل المسارين وسهولة الأحكام المسبقة حتى قبل أن يتكلم رئيس الجمهورية، ما دام لم ينطق إحدى كلمتين تشفيان غليل أصحاب المسار المنظّم، الاستقالة الرئاسية أو التخلي عن وزير الخارجية جبران باسيل.

Read more: سباق المسارات في التعامل مع الحراك: ناصر قنديل

لا يحتاج الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لإثباتات على نزاهته وترفعه عن كل ما يجذب متعاطي السياسة في لبنان والمنطقة والعالم. فهو نموذج فريد من هؤلاء كرّس نفسه ووهبها وحياته وروحه ودمه لقضية صدق في وعد الانتماء إليها حتى اللانهاية. ومَن يعرف شروط حياة عائلة السيد نصرالله والأقربين يعرف أنه يضع مقاييس قاسية لشروط العيش لمن يريد الانتساب إليه تلاقي معاييره في الزهد والترفع. وفي قربه من الناس وأوجاعها لا يمثل السيد نصرالله مشروعه السياسي بل أخلاقه وضميره ووجدانه، حيث الشعور بوجع الفقراء وآلام المظلومين، وحيث التحفز لنصرة هؤلاء قضيته التي لا تغيب، بل التي برّرت أن يحمل على عاتقه ويضع مصداقيته في الميزان بإعلان تصدّر المعركة على الفساد. وليس موضع نقاش عند كل عارف أن السيد نصرالله داعية دائم لحساب تغيير سياسي يأخذ لبنان نحو نظام سياسي اقتصادي جديد يضمن قيام دولة المواطنة والقانون والعدالة الاجتماعية ودولة الرعاية بمفهومها الواسع.

Read more: خطاب غير شعبوي لنصرالله... فماذا خلفه؟: ناصر قنديل

منذ بداية الحراك وشعارات التمجيد بالجيش والتطلّع لقيادته للتغيير عنوان مشهد الساحات. وخلال الأيام التي مضت بدا بوضوح أن بعض التحرّشات التي تعرّضت لها ساحات الحراك واجهت تحركاً عاجلاً وسريعاً من الجيش لتوفير الحماية الصادقة للساحات. وفجأة ظهر قرار تحويل الحراك من الاعتصام في الساحات إلى قطع الطرقات، ومثلما ظهر في اليومين الأولين مَن يشرعن أعمال الحرق والسرقة التي تعرّضت لها بعض المحال التجارية، متحدثاً عن أن الفوضى سمة الثورات، خرج من يزيِّن للحراك قطع الطرقات وفرض الإضراب بالقوة وتجميع الحشود بالقوة، باعتبارهما نوعاً من الديمقراطية الثورية، ديمقراطية تشبه حكم بول بوت في كمبوديا الذي أعدم مئات الآلاف من الذين رفضوا إصلاحاته، وشعاره أن إسعاد الناس يمكن أن يتمّ بالقوة، فهو أعلم بمصلحتهم.

Read more: مَن ورّط الحراك بفخ الصدام مع الجيش؟: ناصر قنديل