Get Adobe Flash player

قبل شهر تماماً وفي الثالث من الشهر الماضي، أي قبل اندلاع الحراك الشعبي بفضل وبركة قرار وزير الاتصالات محمد شقير بنصف شهر، ومن هذه الزاوية بالتحديد توجّهنا بكتاب مفتوح إلى وزير الاقتصاد منصور بطيش طلباً للتحرك لفرض تسعير بطاقات وفواتير شركات الخلوي بالليرة اللبنانية، شارحين حجم السوق المفتعل الذي ينشأ عن التسعير بالدولار، ويتسبب بالضغط طلباً للعملة الأجنبية في شبابيك الصرافين، والمقدر بحوالي مئتي مليون دولار شهرياً، وفي منتصف ذلك اليوم وجّه وزير الاقتصاد مشكوراً كتاباً رسمياً لوزير الاتصالات وشركات الخلوي يطلب فيه التسعير بالليرة اللبنانية. فالشركات لبنانية والزبائن لبنانيون ويقبضون رواتبهم بالليرات اللبنانية، والقانون اللبناني يحظر تسعير البضائع والخدمات بغير الليرة اللبنانية.

Read more: شقير وفواتير وبطاقات الخلوي: مَن يسائل؟: ناصر قنديل

يستطيع كل متحمّس للرهان على أن الحراك الشعبي في لبنان يملك ذكاءً سياسياً يحول دون توظيفه في اللعبة الدولية والإقليمية والمحلية الدائرة بلا رحمة من حوله، أن يحشد ما يرغب به وما يستطيعه من أبيات الشعر للتغزّل ببراءة الثورة وتدفقها وقدرتها، وخلعاً للأسمال الطائفية والمذهبية البالية وذهابها إلى فضاء مدني رحب، وإصلاح اقتصادي ومالي ينهي الأيام السوداء للفساد، لكن ذلك لن يغير من حقيقة ان ما يشهده لبنان يشكل الحراك الشعبي أحد مكوناته، من ضمن مجموعة معقدة من المكونات التي تتمتع بالمرونة وقابلية التكيف وقدرة المناورة، والاحتواء والتوظيف للعناصر الأقل تنظيماً وذكاءً وتسييساً، ما يجعل الرهان على أحادية فعل الحراك في تحقيق تغيير سياسي اجتماعي اقتصادي، من دون أن يتولى أحد وضعه في سياق خطة مواجهة شاملة للتحديات التي لا يزال العامل الخارجي وامتداداته الداخلية العنصر الحاسم فيها، مجرد رهان طوباوي أو خدعة سياسية.

Read more: خطوة إلى الأمام أو خطوتان إلى الوراء: ناصر قنديل

بات واضحاً أنّ هناك مشروعاً سياسياً داخلياً وخارجياً يقوم على تمرير بقاء الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة، مقابل ضمان خروج القوى السياسية من الحكومة لحساب ما يُسمّى بالتكنوقراط. وأنّ الحراك بعدما نجح الإمساك بدفته بوضوح بات جزءاً منخرطاً في هذا المشروع. والواضح أن هذا سيعني التحكم بالخيارات السياسية للدولة من قبل رئيس الحكومة، كسياسي وحيد في الحكومة. وبالمقابل سيكون أي اشتراط في تكوين الحكومة لضمان مشاركة متوازنة سياسياً وطائفياً، معرضاً لمواجهة ضغط في الشارع تحت تهديد الاتهام بالمماطلة بحكومة تحقق آمال الشارع بإصلاح جدّي، سيتمّ نسيانه عند الفوز بحكومة مطواعة، تلبي شروط الخارج وتفتح لها أبواب التمويل لقاء ذلك.

Read more: حكومة لستة شهور للانتخابات: ناصر قنديل

يحاول الكثيرون وضع كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في سياق استنسابي وانتقائي بعيد عن الموقع الذي يفترض فيه قراءة المواقف التي تصدر عن قائد بحجم ومكانة وتأثير السيد نصرالله. وتعدد الجبهات التي يقرأ منها ما يصدر عنه، والذين يقعون في الاستنسابية والانتقائية يقارنون كلمة السيد نصرالله بكلمته الأخيرة لجهة نبرة التخاطب مع الحراك الشعبي، ويستنتجون أن السيد نصرالله استبدل التحذير من الذين يملكون مشروعاً وأدوات لإدارة الحراك وتوجيهه إلى الدعوة لأخذ مطالبه، متجاهلين بهذا الاجتزاء أن هذه هي الكلمة الثالثة للسيد منذ بدء الحراك، حيث الكلمة الأولى كانت أشدّ حرارة في مدّ الجسور مع الحراك، والدعوة لأخذ مطالبه، وقد جاءت في ذروة التظاهرات، والقراءة الصحيحة هي التي تأخذ الكلمات الثلاث وترسم خطاً بيانياً للموقف على إيقاع المسار الذي يسلكه الحراك ومعه، وربما أحياناً خلفه وأحياناً أمامه، تسلكه التطورات السياسية في لبنان، وتحديد مركز الثقل المطلوب مخاطبته، والوظيفة التي يؤديها كل مكوّن من عناصر المشهد السياسي، والحراك أحد هذه المكوّنات وليس كلها، ومرة يكون أبرزها ومرة يتراجع إلى الخلف، وبالتالي فهم المهمة الوظيفية للمواقف التي تضمنتها كلمة السيد في كل مرة.

Read more: منعاً للالتباس... اقرأوا السيد جيّداً: ناصر قنديل

تميزت مجادلات القيّمين على الحراك والمدافعين عنه مع موقف حزب الله بنفي وإنكار وجود أي أساس لمخاوف حزب الله من التوظيف الخارجي للحراك الشعبي، لحساب مشروع تؤثر في رسم توجهاته القوى التي تستهدف المقاومة. وسجل الكثير من المستنكرين لهذه المخاوف مواقف وطنية عالية وصلت حد القول إن حماية المقاومة هي أولوية عند الحراك الشعبي، وأن لا مبرر لقلق يتحدّث عنه حزب الله في هذا الاتجاه. وزاد الكلام عن الرغبة باستعادة دعم حزب الله للحراك تعبيراً عن إدراك ظاهر للحاجة لتوحيد الجهود مع الجهة التي مثلت القوة النظيفة المضحّية في مواجهة المخاطر على لبنان، سواء من الاحتلال والعدوان أو من الإرهاب، والتي لا يمكن إتهامها بمحاصصة مصالح في السلطة المتهمة بالفساد وتقاسم عائداته.

Read more: الموقفان الأميركي والأممي والحراك ومسؤولياته: ناصر قنديل