Get Adobe Flash player

كانت نقابة المحامين دائماً أهم النقابات المهنية التي تشهد التعبير الأشدّ قوة عن التحولات التي يعيشها الرأي العام اللبناني، ونخبه المسيّسة الناشطة في الشأن العام بصورة خاصة. فالمحامون على صلة مباشرة بقضايا وعناوين القانون والدستور والحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، والنقابة شريك دائم مع القضاء في معادلة العدالة. وفي انتخابات نقابة المحامين تظهر خصوصاً التوازنات السياسية ومراحل التغيير التي تشهدها، فأحزاب كالكتلة الوطنية والكتائب والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، كانت تقيس صعودها وأزماتها بحجم تأثيرها في انتخابات نقابة المحامين، باعتبار أن ثقل الحضور المسيحي يبقى العامل الحاسم في بنية النقابة وانتخاباتها، لكن بصفته تعبيراً عن توازن عابر للطوائف دائماً عبر شبكة التحالفات التي تشكل شرطاً لحسم النتائج في النقابة.

Read more: نقابة المحامين والتحوّل في الرأي العام اللبناني: ناصر قنديل

لعبة تسمية رئيس الحكومة الجديدة صارت هي قضية الساعة. وهي قضية تستطيع القوى السياسية الملتزمة بمكافحة الفساد أن تضبط إيقاع أدائها بما يجنبها مسؤولية الشراكة في أي تسميات تسيء لالتزامها الأخلاقي بعدم التورط بتسمية فاسدين عبر الامتناع، لكن الحراك الشعبي الذي تم استدراجه إلى ملعب ليس ملعب الناس وعنوانه تبديل أسماء رؤساء الحكومات، لا يستطيع أن يتصرّف بالمرونة ذاتها التي تستطيعها المقاومة على سبيل المثال، بأن يمتنع نوابها عن المشاركة بالتسمية في حالة الاستشارات المرتقبة، فالحراك الذي ارتضى منذ الأسبوع الثاني، أن يجعل شعاره استقالة الحكومة واستبدالها بحكومة جديدة، معني بموقف حاسم وواضح وعملي.

Read more: هكذا تم استدراج الحراك خارج ملعب الناس: ناصر قنديل

منذ جولة المواجهة الأخيرة في غزة التي انتهت بتثبيت التهدئة بشروط المقاومة، وبعد عملية أفيميم التي عجزت قيادة جيش الاحتلال عن تحمّل تبعات قرار الردّ عليها، وتقبّل نتائجها بشمول الوجود المقاوم في سورية بغطاء معادلة الردع، ومعادلة الردع هذه سارية المفعول، لكن ها نحن فجأة أمام خطوات تصعيدية تشكل رسماً لقواعد اشتباك جديدة تقدم عليها قيادة جيش الاحتلال مدعومة من المستوى السياسي للفريقين المتنازعين على تشكيل الحكومة بعد انتخابات الكيان الأخيرة، فاغتيال القائد العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ومحاولة اغتيال أحد قادتها في دمشق، ليس حدثاً عادياً، ولا مجرد انقلاب على قواعد الاشتباك القائمة، بل تجرّؤ على المغامرة بمحاولة فرض قواعد اشتباك جديدة، فما الذي تغيّر؟

Read more: "إسرائيل" بدأت تستثمر... صدّقوا أو لا تصدّقوا!: ناصر قنديل

مع المناخ الذي أطلقه الحراك الشعبي في التعبير عن الغضب المقدس بوجه الفشل والفساد معاً، وبالتعبير الموحّد عن إرادة جامعة للبنانيين تعبر الطوائف والمناطق، وقع الحراك فوراً بخطيئتين يصعب أن يتحرّر من آثامهما. الأولى، استجابته لدعوات بعض المتحمّسين أو المتطرفين أو المندسين، لاعتبار قطع الطرقات وسيلة سلمية وديمقراطية للتعبير، وتبرّع عدد من قادة الرأي الذين راهنوا على الحراك للدفاع عن قطع الطرقات، على الأقل في الأيام العشرين الأولى من عمر الحراك. والثانية، مغادرة الحراك شعاراته الاجتماعية والمالية، المرتبطة بمكافحة الفساد ومعالجة الأزمات الضاغطة، إلى دخول اللعبة السياسية وتقديم منصته كواحدة من أدوات التفاوض حول التوازنات داخل المجلس النيابي، من باب الدعوة لاستقالة الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط.

Read more: خطيئتان للحراك لا يجيب عليهما المدافعون: ناصر قنديل

لا يستطيع أي متابع للتطورات اللبنانية تجاهل المخاطر التي تزداد مع بقاء الفراغ السياسي الناتج عن غياب التفاهم الذي يضمن إعادة تكوين السلطة من خلال حكومة جديدة، تلقى قبولاً شعبياً وسياسياً، كشرطين لتمكينها من الانطلاق في مواجهة التحديات، ويبدو بوضوح أن الانقسام حول طبيعة الحكومة بين فريق يستقوي بالحراك الشعبي يقوده رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري، الذي تحرّر من عبء معادلة كلن يعني كلن وبات مقبولاً لدى الشارع أن يكون رئيس الحكومة المقبلة، خصوصاً مع توالي ضغط الشارع للإسراع بالاستشارات النيابية وبالتالي تحرير الحريري من التفاوض على شروط تشكيل حكومته الجديدة، وتقوية موقعه التفاوضي بوجه رئيس الجمهورية والقوى التي تشكل الأغلبية النيابية، وبالمقابل تمسُّك رئيس الجمهورية والأغلبية النيابية بربط إطلاق الاستشارات النيابية بتفاهم واضح سياسياً وحكومياً.

Read more: لبنان على مفترق طرق: ناصر قنديل