Get Adobe Flash player

فضلنا أن ننتظر نشر النص الكامل لما عُرف بالتقرير السريّ لوكالة «أمان» الاستخباريّة عن شخصية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، قبل أن نعلق أو نحلل ونفهم التقرير وإيحاءاته ووظيفته، وما يعكسه من مستوى تماسك أو ارتباك، قدرة على امتلاك مجسّات الإنذار المبكر، أم وقوع في البروباغندا المبتذلة، نجاح في فك شيفرة حزب الله وقائده، أم تغميس خارج الصحن لزوم تعزية الذات المهزومة، توصيف يحاكي ما يمثله العدو الأول للكيان بمقدار من معايير العلم، أم شعوذة تعبّر عن انحطاط مستوى التقييم الاستراتيجي ما يعني أبرز مؤشرات أفول الدول القائمة على القوة، خصوصاً أن التقرير هو الأول من نوعه عملياً، وهو من صناعة المؤسسة النخبوية الصانعة لمعطيات صناعة القرار الاستراتيجي في كيان الاحتلال، التي تتقدّم أمان صفوفها الأولى، وفي أجهزة استخبارات الدول التي تشكل الحروب مكوناً عضوياً من مكانتها، وتشكل الاستخبارات عصب المعطيات والمقدمات التي تبني عليها قراراتها، ومنها كيان الاحتلال، ثمة وحدات متخصصة برصد شخصيات «العالم الآخر»، سواء الأعداء أو الحلفاء، ويصل بعضها إلى بناء نماذج محاكاة تتمثل الشخصية المعنية وتحاول تلبّس قيمها ومفاهيمها وردّات فعلها، يتم اعتمادها للتنبؤ بمواقف هذه الشخصيات، بمثل ما قيل عن شخصيات كانت تلعب دور جمال عبد الناصر وياسر عرفات وحافظ الأسد، وشخصيات بريجنيف وأندروبوف، وكاسترو في دوائر الاستخبارات الإسرائيلية.

اِقرأ المزيد: الانحطاط الاستخباريّ الإسرائيليّ:
من تقرير فينوغراد إلى تقرير أمان: ناصر قنديل

قبل ست سنوات كانت تركيا رأس الحربة في الحرب المركزية التي تخوضها واشنطن في المنطقة، وكانت سورية المستهدف الرئيسيّ فيها، وكانت أوروبا ودول الخليج وكيان الاحتلال تصطف كلها في هذه الحرب، قبل أن تتموضع روسيا عسكرياً في سورية، وتنخرط مع إيران وقوى المقاومة في خطة موحّدة لدعم الجيش السوري في مواجهة هذه الحرب، وتدور رحى المواجهة الحاسمة في معركة حلب. وعند هذا المنعطف لم تتردد تركيا في خوض المواجهة مع روسيا وتسقط طائرة حربية روسية، حتى ثبت لها عدم وجود قرار أطلسي بالتصادم مع روسيا، فكانت الخطوة التركية الأولى نحو خلط الأوراق الإقليمية، بالانتقال من موقع رأس الحربة في الحرب على سورية، إلى موقع جديد عنوانه تفاهمات أستانة التي ربطت تركيا مع روسيا وإيران، الذي سلّمت بموجبه تركيا بخسارتها مع حلفائها من الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم الأخوان المسلمين، في حلب وحمص وحماة ودرعا والغوطة، مقابل احتفاظها بنفوذها وحضورها في إدلب، كقوة فصل ورعاية لتفاهم يقضي بفصل المعارضة السياسية التي دعيت للانضمام الى العملية السياسية عن الجماعات الإرهابية التي يفترض نزع سلاحها وترحيلها، عبر التفاوض أو الحسم العسكري، وهو الأمر الذي لم ينفذ ولم تقُم خلاله تركيا بواجباتها.

اِقرأ المزيد: تركيا تخلط 
الأوراق الإقليميّة مجدداً؟: ناصر قنديل

– استفادت موسكو خلال عقدين غابت فيهما واشنطن عن الساحة الدبلوماسيّة، لتبلور مدرسة نشطة في الدبلوماسيّة، تجمع بين القراءة الواقعية لأدوار الشركاء الطبيعيين في الملفات، وأحجامهم وقدراتهم على التأثير، سواء كانوا حلفاء أو أصدقاء أو خصوماً، وتحسن استخدام موازين القوى وتفعيل حضورها بصورة موضعيّة للتأثير على المواقف والاصطفافات، وترسم دبلوماسيتها الناعمة بين سطور هذه العناصر، بينما كانت واشنطن تتنقل بين سياسات تعتمد دائماً على الاستخدام المفرط لعناصر قوتها، العسكرية بداية، في حروب أشعلت المنطقة ولم تصل الى النتائج المرجوة، ثم المخابراتية في مرحلة وسطى، عبر حروب الوكالة التي خاضتها جماعات التطرف الإرهابية، ثم قوتها المالية في منهج العقوبات القصوى الذي رسم معامل مرحلة الرئيس دونالد ترامب، وترفع بدل الجسور الجدران ليس مع الخصوم فقط، بل مع الحلفاء والأصدقاء أيضاً.

اِقرأ المزيد: موسكو ترسم إطاراً استباقيّاً للدبلوماسيّة في المنطقة: ناصر قنديل

تختلط التكهنات بالتسريبات في التحليلات التي تتناول زيارة وفد قيادي من حزب الله الى موسكو، وباستثناء نقل الكلام الصحافي عن الزيارة، وعناوين تقليدية لمضمونها، يغلب على هذه التكهنات – التسريبات ترويج لضغوط روسية على حزب الله، سواء تحت عنوان التحذير من خطورة الانزلاق الى حرب في المنطقة، من باب خصوصيّة العلاقة الروسية الإسرائيلية، أو تحت عنوان خطر بلوغ لبنان مرحلة الانفجار والسعي لتفادي هذا الانفجار من باب دعوة حزب الله للضغط على رئيس الجمهورية في ملف تشكيل الحكومة تسهيلاً لولادة حكومة تحول دون تصعيد كلام بكركي وقائد الجيش التحذيرية لتصبح مشاريع مواجهة، من بوابة خصوصيّة لعلاقة روسية خليجية، يتم تقديمها عبر التسريبات كعنوان لتعهدات روسية بتنازلات تطلب من حزب الله ورئيس الجمهورية لحساب فريق رئيس الحكومة.

اِقرأ المزيد: ماذا ستناقش موسكو مع حزب الله وماذا سينقل إليها؟: ناصر قنديل

 

سيبقى الكلام غير المألوف الصادر عن قائد الجيش العماد جوزف عون موضوعاً للكثير من التحليلات، طالما بقي التدهور في الحال المعيشيّة بغياب القدرة على توليد حكومة جديدة، وما يعنيه اجتماع هذين العاملين من فراغ أسود يبشر اللبنانيين بالأسوأ ويدفعهم الى الغضب اليائس الذي يسيطر على مشهد الشارع، بغياب أي رؤية لفرص خروج من الأزمة عبر الرهان على قوى قادرة على قيادة الشارع نحو رسم مسارات جديدة واقعيّة تعكس اتجاه تطوّر الأحداث من دون المخاطرة بالسلم الأهلي، الذي يتصدّر الجيش اللبناني مشهد الأمل بضمان الحفاظ عليه.

اِقرأ المزيد: لبنان بعد كلام قائد الجيش: تفكّك الدولة أم تحرّك الدولة العميقة؟: ناصر قنديل