Get Adobe Flash player

تكفي نظرة على المشهد الآسيويّ من موقع عيون الجغرافيا السياسية، لرؤية أن القوتين الدوليتين الصاعدتين في آسيا، الصين وروسيا تقعان في الجغرافيا على أقصى الطرفين الشمالي والشرقي، وتواجهان رياح الغرب وتتأثران بها مباشرة، بالتماس الروسي الأوروبي المباشر عبر بحر البلطيق، والتماس الصيني عبر بحر الصين مع اليابان وأوستراليا أو مباشرة عبر كوريا الجنوبية، بينما تشكل إيران قلب آسيا الاستراتيجي المستقر، حيث لا دولة أخرى في آسيا تملك ما تملكه إيران من موقع القلب في وسط أكثر من عشرين دولة آسيوية، بين دول شكلت تاريخياً جزءاً من بلاد فارس ولا يزال بعضها ينطق بالفارسية، ودول تشاطئ إيران عبر بحر قزوين والخليج، ودول تملك حدوداً برية مباشرة مع إيران، بحيث نكاد لا نجد دولة آسيوية تبعد عن إيران أكثر العبور بدولة أخرى، وفي حالات نادرة بدولتين فقط، ما أتاح لإيران عبر التاريخ مكانة ودوراً كبيرين، ويمنحها اليوم الفرصة للتكرار.

اِقرأ المزيد: واشنطن تخسر حروب الشبكات في آسيا… وإيران قلبها الاستراتيجيّ:  ناصر قنديل

وقّع الأميركيّون معاهدة عسكرية مع الأردن في توقيت غير مفسّر وفقاً لجدولة اهتمامات الإدارة الأميركية الجديدة، ورغم التوضيحات الأردنية الرسمية لا زال الأمر موضع اهتمام داخلي أردنيّ وإقليميّ لمعرفة موقع هذه المعاهدة، ويتزامن ذلك مع مشروع لا تغيب عنه العين الأميركيّة عنوانه ما سُمّي بمشروع الشام الجديد الذي يضمّ مصر والأردن والعراق تحت عنوان التعاون الأمني الاقتصادي، ومعلوم أن في قلب هذا المشروع تخطيط لنقل الغاز والكهرباء من مصر الى العراق تعويضاً لحاجتها باستجرارهما من إيران، وتعويضاً لمصر عن أضرار يمكن ان تلحق بقناة السويس وعائداتها جراء التطبيع الخليجي الإسرائيلي، والذي جرى استحضاره مع الأزمة الأخيرة المفاجئة التي عصفت بالقناة ورأى فيها البعض تمهيداً لخط برّي تجاريّ بديل بين ميناء حيفا ومدينة دبي، وبالتزامن أيضاً تسعى واشنطن علناً الى استبدال الدعوة لسحب قواتها من العراق بتنظيم هذه القوات وشرعنة استمرارها تحت عنوان معاهدة تعاون عسكريّ أميركيّة عراقيّة.

اِقرأ المزيد: العراق والأردن ولبنان
ساحات تجاذب وتكتل؟: ناصر قنديل

خلال المئة يوم التي فصلت بين تقديم الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة سعد الحريري لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون مشروعه الحكومي وبين لقائهما الأخير، بدا أن المواقع التي تستند إليها حركة الرئيس الحريري تتمثل من جهة ببرود أميركي تجاه التأليف، ورغبة ضمنيّة بانتظار نتائج ترتيبات العودة للاتفاق النووي مع إيران للبناء عليها في رسم السياسات تجاه ملفات المنطقة ومنها لبنان، ومن جهة ثانية بمحورية الدور الأوروبي بتولي فرنسا ومبادرتها حصرية التعاطي مع الشأن الحكومي في لبنان بلغة قريبة من رؤية الحريري، وبثنائيّة داخليّة تحاكي هذه الثنائية الدولية، تتمثل بتمسك بكركي برؤية قريبة للرئيس الحريري متمايزة عن رئيس الجمهورية في النظر لماهية الحكومة، وبدعم النائب السابق وليد جنبلاط لتصور الحريري للحكومة. وبقي عاملان حاضران داخلياً، الأول تفهّم حزب الله لطلبات الحريري، ودعم رئيس مجلس النواب نبيه بري بالاستناد الى كل هذا المشهد أو بالاستقواء به لتقديم كل دعم ممكن للحريري، في ظل تشوّش وارتباك حول الموقف السعودي واصطفافاته مع المتغيرات الدولية والإقليمية.

اِقرأ المزيد: هل بدأت الأجواء تتغيّر في الملف الحكوميّ؟: ناصر قنديل

حاولت فرنسا في عهد الرئيس أمانويل ماكرون أن تستعيد صورة الدولة المستقلة والمتوازنة، وأن تقود الاتحاد الأوروبي تحت هذا العنوان، وخلال سنوات مرّت على انتخابه كانت هذه المحاولة تحت الاختبار، والأبرز كان استحقاق الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران، بعدما انسحبت منه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووقفت أوروبا قبل أن يبدأ تفكك وحدتها موحّدة تحت شعار حماية الاتفاق. وخلال هذه السنوات فشلت أوروبا وفي المقدّمة فرنسا في تقديم المثال والنموذج الذي كان ينتظره العالم لتقديم نموذج الاستقلال والاقتدار، فبقي القرار الأميركي حاكماً ومقرراً للحركة الأوروبية وفي قلبها الحركة الفرنسية.

اِقرأ المزيد: ماكرون أربك واشنطن في لبنان والملف النوويّ: ناصر قنديل

 يُظهر شهران من عمر ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن ملامح خطته الاستراتيجية، القائمة على السعي لتبريد النزاعات التي أشعل فتائلها الرئيس السابق دونالد ترامب، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، حيث لا منافس استراتيجياً للأميركي، ولو اقتضى ذلك الانخراط في تسويات مع خصوم استراتيجيين كإيران، تحت شعار العودة للاتفاق النووي أولوية، كما صرّح بايدن وأركان إدارته، بهدف التفرغ لمواجهة التنافس الاستراتيجي مع كل من الصين وروسيا، كل على جبهة، لكن التجربة أظهرت خلال الشهرين بطء الحركة الأميركيّة من جهة وارتهانها لحسابات أميركية داخلية، ورهانها على لعبة التذاكي في بحث الخطوة الأولى ومن يبدأ مسيرة العودة للاتفاق النووي، واشنطن أم طهران، بحيث بدا وفقاً لتوصيف وزير الخارجية الأميركية توني بلينكن أن طهران مرتاحة على وقتها، وتمضي سريعاً نحو ما يسمّيه الأميركيون «الاقتراب من لحظة امتلاك مقدرات إنتاج سلاح نوويّ»، وبدا أن بكين وطهران وموسكو على درجة عالية من اليقظة للتذاكي الأميركي بمقايضة التسويات بالمواجهات، كدواسة البنزين والكابح، مرة هنا ومرة هناك.

اِقرأ المزيد: الأميركيّ بطة عرجاء والزمن الصينيّ الروسيّ الإيرانيّ لا يرحم: ناصر قنديل