Get Adobe Flash player

منذ اليوم الأول لاندلاع الغضب الشعبي دَعَوْنا لتنظيم التساكن السلميّ، القائم على الاعتراف بالعجز المتبادل للحراك والسلطة عن تحقيق انتصار كامل على الآخر، وقلنا إن الحراك قادر على بلوغ أهدافه ضمن خطة متدرّجة للضغط على المؤسسات الدستورية لتلبية طلباته بالأولوية، كقرارات حكومية وقوانين تشريعية، سواء في الشق المطلبي الاقتصادي والاجتماعي، وهي كثيرة، أو في الشق المحوري الرئيسي وعنوانه مكافحة الفساد، أو في الإصلاح الجذري السياسي والاقتصادي والمالي، من قانون الانتخابات، إلى قانون ضريبي جديد، وسياسات اقتصادية مالية جديدة. وقلنا إن السلطة مدعوة لعدم الاستهتار والتهاون بما جرى، وعليها اتخاذ العبر والتجاوب مع طلبات الشعب، والإصغاء والجدّية، لأن الانهيار هو الآتي ما لم يتم ذلك. والانهيار سيعني ضياع كل شيء وسقوط النظام المصرفي والمالي والسياسي والذهاب نحو الفوضى. وقلنا إن من يرفض التساكن الإيجابي بين السلطة والحراك سيتحمّل مسؤولية الجمود والمراوحة وبالتالي تسريع الانهيار والفوضى.

Read more: الارتباك في السلطة والحراك بدل تنظيم التساكن: ناصر قنديل

يظن الكثيرون أو يقولون على الأقل إنهم يظنون، بأن لبنان دخل الانهيار المالي، ويرفضون أي كلام عن علاقة للسياسة بذلك، إلا من زاوية ما صنعت بسياسات مالية بنيت على تثبيت سعر الصرف باستجلاب الديون ومراكمتها، وإنفاق أموال تمّت استدانتها بلا أولويات ودراسات ولا ضوابط ووفقاً لمحاصصات نفعية يلؤها الفساد وتوزيع المغانم، ويرافقها توظيف عشوائي يستنزف المال العام بلا حدود، أما السياسة التي تأتي بالديون وتقرّر وقفها، وتتفرّج على الفساد تشجعه وتفتح عينها عليه حسب المواسم، وتضع الشروط لاستئناف التمويل، فهي لا تستحق التوقف أمامها طويلاً. والأرجح أن هذا الإغفال المتعمّد لهذه السياسة، نوع من الهروب من حقيقة أن الانهيار المالي كان وهو باقٍ تحت السيطرة، لأن بيد الغرب ومن وراءه بقرار أن يضخ المزيد من المال ويعوّم النظام ذاته القائم على الفساد والمحاصصة والعشوائية والفوضى من جديد، لكن بشروط تمس الاستقلال، ونحن نحتفل بعيد الاستقلال، فماذا عن المال لقاء التوطين، وماذا عن المال لقاء إبقاء النازحين السوريين رهائن للعبة الغرب في سورية، وماذا عن المال لقاء ترسيم الحدود البحرية بما يُرضي «إسرائيل»، وماذا عن المال لقاء ضمانات تتصل بالصواريخ الدقيقة للمقاومة؟

Read more: أسئلة حول الانهيار المالي وعيد الاستقلال والحراك: ناصر قنديل

من المهم لفت الانتباه لكل الذين يقرأون كلام الإمام علي الخامنئي ليل أمس، عما تشهده إيران بصفته أحداثاً أمنية لا احتجاجات شعبية، ألا يتسرّعوا باعتباره مجرد تغطية لقمع ما يعتبرونه احتجاجاً شعبياً مشروعاً، فقد سبق وشهدت إيران احتجاجات أوسع وتحت عناوين تتصل بإفلاس شركات صيرفة وشركات مالية، وصفه الإمام الخامنئي بالاحتجاجات المشروعة ودعا الحكومة لسماع صوت المحتجين وطمأنتهم إلى مصالحهم وصيانتها، وعدم التعامل معهم بالأساليب الأمنية. الجدّيون في القراءة والذين لا يستعجلون ولا يخدمون مشروعاً قائماً على الأحكام المسبقة، يتوقفون أمام كلام الإمام الخامنئي بصفته تلخيصاً لمعلومات واعترافات مفصلة باتت بحوزة الأجهزة الأمنية والقضائية، وقام الإمام بدراستها بهدوء، كما يفعل في كل الأمور التي يضع يده عليها.

Read more: الإمام الخامنئي: أحداث أمنية لا احتجاجات!: ناصر قنديل

استثمر الأميركيون ومن ورائهم الغرب وأغلب حكام العرب مالاً وجمعيّات وتحالفات وإعلاماً ممولاً ومشغلاً من الثنائي الغربي العربي، لتهيئة مناخ التفجير المالي في لبنان عبر تجفيف مصادر التمويل التي كانت توفّرها منذ سنوات، وكانت تتيح بقاء منظومة الفساد المستحكم بالاقتصادين اللبناني والعراقي ممسكة بمقاليد القرار الاقتصادي، وهي غالباً من كنف المحور الغربي العربي نفسه، ولاحقاً في محاولة السيطرة على الحراك الشعبي في البلدين، لربط الخلاص المالي والاقتصادي والاجتماعي بتحييد قوى المقاومة عن المشهد السياسي، وتوفير ضمانات لأمن «إسرائيل» ولسيطرتها على سوق النفط والغاز على حساب لبنان، بالتحريض على سلاح قوى المقاومة، والزجّ بالقوى التابعة للمحور الغربي العربي التي تفوح منها روائح الفساد للتقدّم بصفتها من يُصغي لصوت الشعب، الذي جرى تلبيس حراكه شعارات وضعتها هذه القوى مبكراً، كشعار حكومة التكنوقراط الذي دعت إليه القوات اللبنانية قبل انطلاق الحراك الشعبي وتحوّل مطلباً رئيسياً للحراك يتبنّاه ثلاثي قوى الرابع عشر من آذار التي رعاها جيفري فيلتمان يوم كان سفيراً لواشنطن في بيروت، فتناغم كلام تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي مع دعوة القوات بعدما صارت شعار الحراك، وبعدما كانت من قبل مضمون النصيحة الفرنسية للرئيس سعد الحريري في مناقشات مؤتمر سيدر قبل شهور، والمطلوب عملياً حكومة لا يتمثل فيها حزب الله علناً.

Read more: حسمت في إيران فبدأت التراجعات وعاد التفاوض بين فيلتمان وشينكر وفارنو... نصائح العقلانية: ناصر قنديل

لم تكن إيران بحاجة لتقديم إثبات لتأكيد الطابع السياسي المرتبط بأجندة خارجية للاحتجاجات التي تشهدها، رغم اعتراف المسؤولين الإيرانيين بوجود بُعد شعبي نسبي لبعض التحرّكات. والكلام الإيراني مختلف عن كلام حلفاء إيران في لبنان والعراق حول صدقية التحركات الشعبية واستنادها إلى أسباب حقيقية، والاكتفاء بوصف التدخّل الخارجي، والأميركي الخليجي خصوصاً، كمحاولة سطو على التحرّكات الشعبية وتجييرها لحساب مشروع سياسيّ يخدم المصالح الأميركية، بالاستناد إلى الدور الأميركي في تجفيف المقدّرات المالية عبر نظام العقوبات، وإلى الإمساك بعدد من جمعيات المجتمع المدني، وعدد من وسائل الإعلام.

Read more: إيران والخطة ب: ناصر قنديل