Get Adobe Flash player

كثرة المفات المتشعبة التي يعشش فيها الفساد تجعل إثارتها جميعاً دفعة واحدة، رغم ما قد ينطوي عليه من إيحاء الرغبة بعدم تمييز فاسد عن فاسد، ومن حزم وعزم على ملاحقة كل الفساد والفاسدين بلا استثناء، هو في الحقيقة ذر للرماد في العيون، ذلك لأننا لسنا أمام قوى سياسية جديدة تتسلّم الحكم بعد سقوط تحالف القوى الحاكمة، والفساد هو ميراث من سبقوا في الحكم ويحتاج التنظيف إلى ورشة تطهير شاملة، بل نحن أمام إعلان القوى ذاتها التي نما الفساد وترعرع في ظلالها تعلن عزمها على مكافحته، انطلاقاً من ادعائها بأن الوضع بلغ مرحلة الخطر وصار الضبط والربط وشدّ الأحزمة وحماية المال العام من الهدر أكثر من واجب بل ضرورة وجودية. وهذا يعني أن هذه القوى التي رعت الفساد وتعلن العزم على مكافحته مدعوة لاختيار ملف نموذجي تقدّم من خلاله تجربتها في مكافحة الهدر والفساد، وتسترد ثقة المواطنين بصدقيتها، وتتمكن بذلك من تعميم هذا النموذج على سائر الملفات بتدرج الأهم فالمهم .

تطرح فوق الطاولة العديد من الملفات التي تصلح لتكون نموذجاً أول لمكافحة الفساد، كمثل كشف الحساب المالي للسنوات الماضية وما يسمى بقطع الحساب، ولكن لتشابك الأرقام وضخامة الملف والطبيعة التقنية للكثير من معطياته، والزمن الذي يحتاجه حسم أمره، وسهولة فتح السجال السياسي حول مفرداته، يحتاج البدء به إلى الهدوء، شرط السير بالتوازي مع ملفات أكثر وضوحاً وسهولة وفهماً على الناس، وتعذراً للتلاعب بالوقائع والمعطيات فيها أمام الرأي العام، والحماس على اعتبار ملف التوظيف خارج نطاق القانون ملفاً تصح فيه صفة الملف النموذجي للمساءلة والمحاسبة صحيح نظرياً، لكنه عملياً سيضع البلد بعد حين أمام سؤال اجتماعي يتصل بمصير الخمسة آلاف عائلة التي يرتبط مصيرها بهذا التوظيف، فتضيع المساءلة بالبحث عن حلول للنتائج المترتبة على مخالفة القانون.

في وزارة الاتصالات تجمعت أربعة عناوين لمخالفات تتشكل منها منظومة الفساد والهدر، ففيها الرقم الأول للتوظيف المخالف للقانون، باعتبار التوظيف في وزارة التربية عن طريق التعاقد سيجد تفسيره في النقص الهائل بعدد المعلمين والحاجة لتأمين بدائل للخارجين من الخدمة خصوصاً بسبب التقاعد. وهي حالة كان يجب أن يلحظها القانون بخصوصية معينة لوزارة التربية، أما وزارة الاتصالات فلا عذر لها على الإطلاق، وما من شيء يستدعي هذا التوظيف البالغ قرابة الخمسمئة في ظل قرار منع التوظيف. وفي وزارة الاتصالات عقود منح امتيازات لتقديم خدمات في مجال المعلوماتية والاتصالات تدر مليارات الليرات تحوم حولها الشبهات، وكثر الكلام بحقها، ولم تقل أجهزة الرقابة كلمة فاصلة فيها، سوى ما يعلمه الجميع عن كونها عقوداً بالتراضي، ما يكفي لجعل الأسئلة حول مدى شفافيتها ومراعاتها لشروط التنافسية وحماية حقوق الدولة أسئلة مشروعة، وفي وزارة الاتصالات، نظراً لكون أوجيرو هي المشغل الحقيقي لكل خدمات الوزارة، وأوجيرو ليست مؤسسة عامة ولا مصلحة مستقلة بل شركة تملكها الوزارة، وتمر أعمالها خارج نطاق مؤسسات الرقابة، ويحكى الكثير الكثير عنها وحولها، وملف أوجيرو وحده كافٍ لقول الكثير. وفي وزارة الاتصالات وتحت مظلتها يدير الوزير كرئيس مجلس إدارة شركتين تملكهما الدولة لخدمات الهاتف الخلوي، وتتولى التشغيل شركتان خاصتان، بعقد مع الدولة، وبين شركتي التشغيل وشركتي الملكبة الكثير الكثير من التوظيف والإنفاق، بأرقام خيالية. ففي ملف الوزارة من كل نوع من المخالفات نموذج ومثال، العقود بالتراضي، والتوظيف خارج القانون، وامتيازات إدارة الحقوق العامة للدولة، والموازنات غير الخاضعة للرقابة. وفتح هذا الملف الكبير بتشعباته، وكشف الحقائق فيه، سيشكل تمريناً أول للحكومة والمجلس النيابي والأجهزة الرقابية، على السير بسائر الملفات المشابهة نوعاً، والمختلفة كماً، وسيشكل فرصة لتقديم مثال حي على الجدية، وسيكشف حدود القدرة على التقدم، إذا كانت النيات صادقة.

– يستطيع مجلس النواب، الذي يعلن رؤساء لجانه النيابية عزمهم على السير بفتح ملفات الفساد والهدر والسير بها حتى النهاية، كما قال كل من رئيس لجنة المال ولجنة الإدارة والعدل، تشكيل لجنة مشتركة من لجان المال والإدارة والاتصالات ومعها مندوبون من هيئات الرقابة، تتولى وضع اليد على ملفات الوزارة بتشعباتها وعناوينها، والاستعانة بخبراء ومكاتب خبرة، لإعداد تقرير ينتهي بتوصيات توضع بتصرف الهيئة العامة لمجلس النواب، توصيات مستقبلية لمنع تكرار حالات الهدر والفساد، والكلام كثير حول ما يجري الإعداد له من مشاريع في الوزارة تشكل امتداداً لما سبق، وتوصيات تتصل بالمساءلة والمحاسبة على ما مضى بعد كشفه، قد تصل حد إحالة وزراء إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو رغم وجوده النظري في الدستور، غير موجود عملياً، ويشكل وجوده وتفعيله أول علامة على جدية مكافحة الفساد والهدر.