Get Adobe Flash player

يدور نوع من حوار طرشان بين مقولتي حكومة تكنوقراط وحكومة سياسية، وفي الحوار يردّد الشارع بمثقفيه وطلابه وجامعييه ومعهم مواطنون كثيرون الدعوة لحكومة تكنوقراط، ويظنّون بصدق أحياناً كثيرة أنهم يضعون أيديهم على الجرح، فقد سئموا وزراء يديرون وزارات لا يفهمون بموضوعها، وأحياناً لا يكونون فيها إلا ظلاً لأحزابهم ومرجعيّاتهم، لتسسير خدمات المحسوبيات والمحميات، في التعيينات والمصالح والصفقات، وعندما ينتبهون أن ثمة تكنوقراط ينطبق عليهم هذا الدور الفاسد، يستدركون فيضيفون إلى وصفة التكنوقراط، إضافة من غير الأحزاب الحاكمة، أو بتعبير أوسع من خارج الطبقة السياسية، ويظنون أنهم أضاءوا بذلك شمعة ديوجين، ويصرخون، لقد وجدتُها .

Read more: خبث التكنوقراط... وفساد السياسة: ناصر قنديل

يدور الوضع المأزوم في لبنان على ثلاثة محاور في آن واحد: الأول هو محور المواجهة بين المقاومة والمشروع الأميركي، الذي يلعب على حافة الهاوية في لحظة تكاد حروب المنطقة تصل لنهاياتها بخسائر جسيمة لحقت بهذا المشروع تكرّست خلالها اليد العليا لمحور المقاومة وحلفائه في سورية واليمن والعراق وجهة الملف النووي الإيراني مع عجز العقوبات الأميركية عن إخضاع إيران او دفعها للانهيار، ومع العجز الأميركي عن مجاراة قدرة إيران وقوى المقاومة على مواصلة التحدّي في الميدان العسكري كما قالت عملية إسقاط الطائرة التجسسية الأميركية العملاقة في هرمز، وعملية أفيفيم في شمال فلسطين المحتلة، وعملية أرامكو في السعودية. وعلى هذه الجبهة التي يحاول الأميركي عبرها إلحاق خسائر بقوى المقاومة من بوابة الضغط المالي وصولاً للانهيار، بهدف تحقيق تفوّق تفاوضي أو توازن خسائر لا تزال المقاومة تراقب حدود القرار الأميركي بأخذ لبنان نحو الانهيار المالي، من خلال مواقف تتظهّر على الساحة اللبنانية السياسية والأمنية، ومنها حدود ما يجري على ساحة الحراك.

Read more: المقاومة والحراك: ثلاث معادلات حاكمة في لبنان: ناصر قنديل

قبل شهر تماماً وفي الثالث من الشهر الماضي، أي قبل اندلاع الحراك الشعبي بفضل وبركة قرار وزير الاتصالات محمد شقير بنصف شهر، ومن هذه الزاوية بالتحديد توجّهنا بكتاب مفتوح إلى وزير الاقتصاد منصور بطيش طلباً للتحرك لفرض تسعير بطاقات وفواتير شركات الخلوي بالليرة اللبنانية، شارحين حجم السوق المفتعل الذي ينشأ عن التسعير بالدولار، ويتسبب بالضغط طلباً للعملة الأجنبية في شبابيك الصرافين، والمقدر بحوالي مئتي مليون دولار شهرياً، وفي منتصف ذلك اليوم وجّه وزير الاقتصاد مشكوراً كتاباً رسمياً لوزير الاتصالات وشركات الخلوي يطلب فيه التسعير بالليرة اللبنانية. فالشركات لبنانية والزبائن لبنانيون ويقبضون رواتبهم بالليرات اللبنانية، والقانون اللبناني يحظر تسعير البضائع والخدمات بغير الليرة اللبنانية.

Read more: شقير وفواتير وبطاقات الخلوي: مَن يسائل؟: ناصر قنديل

سيكتشف مَن يحقق فعلياً في وضع قطاع الاتصالات مئات المخالفات المتصلة بنهب اللبنانيين، من دفعة الـ 500 التي سُدّدت كتأمين على شراء الخطوط ولم تتم إعادتها، إلى ما يُسمّى بالاشتراك الشهري بقيمة 25 على الخطوط الثابتة، وصولاً للأسعار التي لا تشبهها أي أسعار في العالم، وبالمناسبة في سورية المجاورة لا زالت الخدمة أفضل والسعر أقلّ بكثير، وبين المشغلين شركة أجنبية عالمية. أما عن طريقة الفوترة فحدّث ولا حرج، من انقطاع الاتصال مراراً لتسجيل تراكم دقائق أولى، إلى خدمات الإنترنت القائمة على سرقة موصوفة بأرقام خيالية لكل استهلاك زائد عن الباقات المباعة، كما سيكشف كل تحقيق جدّي أن ثمة رواتب خيالية تدفع لأشخاص متنفعين تمّت إضافتهم بلا مبرّر لهيكلية الشركات ومستشاريها، وستفوح رائحة الفضائح من عقود علاقاتها العامة، إضافة لموازنات بعشرات ملايين الدولارات، وضعت بتصرف الوزراء المتعاقبين تمّ إنفاقها على مجالات لا تهم الدولة ولا المواطن، وأغلبها تسديد لخدمات سياسية لحساب الوزير وحاشيته، وترف إنفاق استهلاكي فردي على حساب الدولة، وصولاً لفضيحة شراء المبنى الجديد لشركة تاتش.

Read more: الاتصالات مغارة علي بابا فهل تقتحمها «الثورة»؟: ناصر قنديل

يستطيع كل متحمّس للرهان على أن الحراك الشعبي في لبنان يملك ذكاءً سياسياً يحول دون توظيفه في اللعبة الدولية والإقليمية والمحلية الدائرة بلا رحمة من حوله، أن يحشد ما يرغب به وما يستطيعه من أبيات الشعر للتغزّل ببراءة الثورة وتدفقها وقدرتها، وخلعاً للأسمال الطائفية والمذهبية البالية وذهابها إلى فضاء مدني رحب، وإصلاح اقتصادي ومالي ينهي الأيام السوداء للفساد، لكن ذلك لن يغير من حقيقة ان ما يشهده لبنان يشكل الحراك الشعبي أحد مكوناته، من ضمن مجموعة معقدة من المكونات التي تتمتع بالمرونة وقابلية التكيف وقدرة المناورة، والاحتواء والتوظيف للعناصر الأقل تنظيماً وذكاءً وتسييساً، ما يجعل الرهان على أحادية فعل الحراك في تحقيق تغيير سياسي اجتماعي اقتصادي، من دون أن يتولى أحد وضعه في سياق خطة مواجهة شاملة للتحديات التي لا يزال العامل الخارجي وامتداداته الداخلية العنصر الحاسم فيها، مجرد رهان طوباوي أو خدعة سياسية.

Read more: خطوة إلى الأمام أو خطوتان إلى الوراء: ناصر قنديل