Get Adobe Flash player

  أمام الصخب والضجيج الذي نسمعه عن مخاطر صفقة القرن واعتبارها تحوّلاً مفصلياً نحو تصفية القضية الفلسطينية، نحاول التدقيق في الإجابة على سؤال، هل سيغيّر الإعلان الأميركي عن منح كيان الاحتلال التصديق على اغتصاب فلسطين والقدس وإسقاط حق العودة للاجئين في الوضع القانوني الدولي لهذه الركائز التي تتكوّن منها القضية الفلسطينية. فنسأل هل سيغيّر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب من موازين القوى السياسية والعسكرية بصورة تتيح لكيان الاحتلال سحق إرادة الشعب الفلسطيني بالقوة وفرض قبول هذا الذل والاستسلام؟ ثم نسأل هل يوجد أي احتمال لإمكانية قبول سياسي وشعبي بالعرض الأميركي يمنح مشروعية للصفقة لتصير صفقة، سواء في السلطة الفلسطينية أو خارجها، هل يوجد مَن هو قادر على قبول مقايضة الهوية والقضية بالمال واتحاد بلديات، مقابل سوبر دولة لكيان الاحتلال، ومنح هذا القبول نسبة وازنة من الشرعية الشعبية والسياسية والحماية لفرضها كأمر واقع؟

Read more: فوائد صفقة القرن
أكثر من أضرارها: ناصر قنديل

مشهد جلسة الموازنة يوم أمس، أبعد بإشاراته من الجدل حول دستورية الجلسة أو حول مضمون الموازنة. فالمشهد يحمل رموزاً وإشارات تاريخيّة المعنى، لجهة ما يُسمّى بأفول السياسة وعجزها في علم الاجتماع السياسي. ففي الجانب الأول من الصورة لا أحد من المشاركين في الجلسة من المؤيدين والمعارضين، قدّم موقفه بصفته خياراً منطلقاً من رؤيته الإيجابية، أو من موقع أنه يملك حلولاً للأزمات، أو بفذلكة موقفه كتعبير عن قناعة يعتدّ بها ويدافع عنها بكل فخر، فبدا الكل كالعروس المقهورة يوم عرسها، تقول «ببكي وبروح». والكل في الجلسة يرتكب ما يراه معصية، ولكنه يرى أن البديل «معصية بفضيحة مجلجلة». الذين أيّدوا الموازنة فعلوا ذلك لأنها أفضل من لا موازنة، والذين شاركوا بتأمين النصاب وعارضوا الموازنة أو امتنعوا عن التصويت برروا ذلك، بتفادي الفراغ، والذين غابوا ورفضوا الحضور لم يكن لديهم خطاب بالأصل للقول إنهم يغيبون لأن بديلهم هو…، وتبقى هو بلا تتمة. والحكومة التي حضرت تدرك أنها ليست موازنتها ولكنها لا تملك بديلاً أفضل من الحضور وتمرير الاستحقاق. والأنكى كان حال «الثورة» التي فقدت شعبيتها وحشودها بثلاثين يوماً، فيما احتاج السياسيون ثلاثين عاماً ليفقدوا وهج الناس وبريق التفافهم، ومثل السياسيين، لم يبقَ من الثورة إلا نواتها وعصبها، فبدت هزيلة بذيئة كئيبة، لأنها أخذت قوتها من ناس لم تكن أمينة على التعامل برفق ومسؤولية مع تفويضهم، واستعجلت لإسقاط أحقادها ومشاريع غيرها على غضب الناس، فلما طلع عليهم الصبح واكتشفوا الخديعة عادوا إلى بيوتهم.

Read more: الإفلاس الفكريّ والسياسيّ أخطر من الإفلاس الاقتصاديّ والماليّ: ناصر قنديل

رمت واشنطن بثقلها لإنجاح حملة التعبئة التي قادتها ومعها حلفاؤها العراقيين والعرب لشيطنة الدعوة للمليونيّة التي ضجّت بها شوارع العاصمة بغداد أمس، وتعريتها من مشاركة مكوّنات العراق بين أبناء السنة والأكراد، ومخاطبة جمهور الشيعة من بوابة عرب وفرس ومرجعيات متنافسة، وبالسعي لتفعيل الحراك المعارض للفساد والفشل الحكومي الذي يشكلون الأساس فيه، واعتبار المليونيّة تخريباً عليه، وجاء لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس العراقي برهم صالح مدخلاً لنقل تهديدات بالعقوبات، وبمطالب مالية طائلة إذا تواصل التحرّك نحو المليونيّة، أما التلويح بالحرب الأهلية فقد خرج إلى العلن من مراجع سياسية محسوبة على الأميركيين، ومثله توصيف المليونيّة بالمحاولة الإيرانيّة للسيطرة على العراق بتجريده من الحماية الأميركيّة، وخرج رموز من النظام السابق يخاطبون العراقيين بلغة «قومية عربية» للقول إن المرحلة ليست لإخراج الأميركيين بل لمواجهة الهيمنة الإيرانيّة، وتمّ تنشيط تنظيم داعش للقول إن خطر داعش لا يمكن مواجهته بدون الأميركيين، لكن المليونيّة تمّت ونجحت وفاق الحضور التوقعات وأدهش كل مَن له بصر، فماذا بعد؟

Read more: مليونيّة بغداد بداية الخروج الأميركيّ من العراق: ناصر قنديل

يدور نقاش حول جلسة اليوم لمناقشة الموازنة قبل نيل الحكومة الثقة، والأمر بسيط. فحق للحكومة الجديدة أن تطلب إرجاء الجلسة إذا رغبت لما بعد نيلها الثقة، واسترداد الموازنة لتعديلها وإعادة إرسالها، وهو حلّ يعطي الحكومة شكلاً صورة التمسّك بصلاحياتها، لكنه يعني تأخيراً للموازنة لأربعة شهور على الأقل والتقدم باقتراح قانون للإنفاق على القاعدة الإثني عشرية، وما يعنيه من فوارق عمّا تضمّنته الموازنة، وتحمل تبعات ذلك، ومعه تحمل البقاء من دون موازنة، فيما يشكل وجود موازنة مصدق عليها من مجلس النواب إحدى أوراق قوة الحكومة في التفاوض الخارجي مالياً، وهي موازنة في جوهرها بلا نفقات تقريباً، وبلا ضرائب جديدة، ووارداتها معلقة على الوقائع التي لا تتنبأ بها أي تقديرات مع الجمود والركود، لذلك يعرف المنتقدون أن الجلسة في مكانها ما لم تتلقّ رئاسة مجلس النواب طلباً حكومياً مخالفاً، طالما أن الدعوة لعقدها صدرت قبل صدور مراسيم الحكومة الجديدة.

Read more: لا لصندوق النقد الدولي
 بالخط العريض: ناصر قنديل

طلب المعجزات ومنها العودة بالوضع إلى ما كان عليه قبل انكشاف عمق الحالة المالية الصعبة التي يعيشها لبنان، سيكون من تمنيات أعياد الميلاد وطلب هدايا بابا نويل، غير قابل للتحقق كالعودة بالعمر إلى البدايات، وقد استهلك المرء صحته وأضاع ماله، ويريد فرصة جديدة من الصفر. ورفع السقوف السياسية للتغيير المنشود بالحديث عن الانتخابات المبكرة لن يختلف عن الحديث الذي سبقه بالدعوة لاستقالة حكومة ومجيء حكومة جديدة، إهدار لمزيد من الوقت والفرص، وسيكون مجرد توهم توقع إمكانية رؤية الفاسدين وراء القضبان بكبسة زر خارج إطار آليات قضائية وقانونية يحتاج البدء بها عملياً شهوراً من الوقت لتصدر القوانين وتشكل الهيئات ويبدأ التدقيق وتظهر الوثائق وتنطلق الاتهامات، وتبدأ المحاكمات، لذلك أمامنا حدود للتوقعات بين حدّين، حدّ انتظار تمويل يأتي بما كان موعوداً في حال تشكلت الحكومة فتخفّ وطأة الضغوط الراهنة والخانقة للأزمة، وحدّ ما يمكن أن تفعله الحكومة من تلقاء ذاتها وبالأدوات التي تمتلكها الدولة لمواجهة وضع بالغ الخطورة.

Read more: ما الذي يريده اللبنانيون من الحكومة وماذا تستطيع؟: ناصر قنديل