Get Adobe Flash player

المعطيات المتوافرة حتى الآن أن الصيغة العملية المتاحة لعودة المغتربين الراغبين بالعودة، مشروطة بتحمّل هؤلاء أكلافاً مادية لا تتناسب إلا مع الطبقة الوسطى منهم وما فوق، حيث كلفة بطاقة السفر تزيد عن خمسة أضعاف سعرها الطبيعي في ظروف عادية، وكلفة الإقامة الفندقية لفترة الحجر تشبه أسعار المواسم، فعندما يكون سعر بطاقة السفر المقترح من أفريقيا أكثر من 1800 $، وسعر الإقامة المقترح 80 دولاراً لليلة الواحدة، أي 1200 $ لخمسة عشر يوماً، فهذا يعني أن كلفة الفرد العائد هي 3000 $ يجب أن يقوم هو بتأمينها لتتسنّى له العودة ضمن الخطة الحكومية، وعندما يكون الأمر متعلقاً بعائلة من خمسة أفراد يصير المبلغ المطلوب هو 15000 دولار. فهذا يعني أن البعض في لبنان يعيش وهم الاعتقاد أنه عند الحديث عن الاغتراب، فالأمر يتعلق بأكياس مال، وكأن ليس بين هؤلاء فقراء، بينما أغلبيتهم تمتنع عن المجيء صيفاً إلى لبنان لأنهم لا يملكون ثمن بطاقة السفر العادية بمئات الدولارات، وأنهم هاجروا لأن سبل الحياة ضاقت بهم في بلدهم، وراحوا يرتضون شظف العيش ومصاعب شروط العمل لتحصيل ما يمكن أن يؤمن الحد الكريم من العيش لعائلاتهم.

Read more: عودة المغتربين والبعد الاجتماعي مسؤوليّة الدولة: ناصر قنديل

يظنّ الكثيرون، بسبب الدعاية المشوّهة وقلة المتابعة، أن إجراء التأميم هو خطوة اشتراكية، لا يمكن حدوثها في النظام الرأسمالي القائم على الاقتصاد الحر ومعايير اقتصاد السوق، لأنه لا يعلم أن إجراءات التأميم الأقرب لزماننا، حدثت في دول الرأسمالية العريقة، أميركا وبريطانيا وفرنسا، قبل اثنتي عشر سنة فقط، عندما طال المصارف في هذه الدول التأميم الجزئي أو الكلي، جواباً على التعسر العام الذي وقع فيه الاقتصاد العالمي، والأميركي والأوروبي خصوصاً عام 2008، ذلك أن التأميم لا يعني المصادرة، ولا وضع اليد على الملكية الخاصة، التي لا تمثل في حال المصارف إلا ملكية الرأسمال من قبل أصحاب المصارف؛ بينما ما تملكه المصارف، فهو ملك تضامني للمودعين، سواء كان بصيغة موجودات عقارية، أو سندات دين ورهونات. وعندما تقع المصارف في سوء الإدارة، فتعجز عن تلبية حقوق مودعيها، لأنها لم تقم بواجباتها المهنية، بسبب طغيان الطمع والجشع، فسمحت بتراكم استثماراتها في الديون غير المؤكدة التحصيل، ما تسبب بعجزها عن الإيفاء بحاجات المودعين، تتدخل الدولة، فتعزل الإدارة، وتمنع الرواتب المتضخمة وموازنات الإنفاق المترفة للمدراء، وتتخذ الإجراءات التي تضمن إعادة رسملة وهيكلة المصارف، وتمنع وضع اليد على الرهونات العقارية، وهو ما تلجأ إليه المصارف عادة لمحاولة الترسمل السريع وتفادي الأزمة، رغم تهديده للآلاف والملايين من الأسر بالتشرد وخسارة منازلها، وتحول دون تحول الإدارة المصرفية إلى وحش يتغول بالوكالة عن الاقتصاد الحر وباسمه ليبتلع المجتمع ويتسبب بالإفقار والتجويع والتشرد.

Read more: تأميم المصارف… آخر الدواء… رأسماليّ لا اشتراكيّ: ناصر قنديل

يُجمع الخبراء والمحللون والمفكرون عبر العالم أن ما قبل الكورونا غير ما بعده، ويبدو حجم التغيير الذي سيتركه هذا الفيروس المجهريّ على حركة القوى والدول العملاقة، تاريخياً وأكبر من أن تحتويه توقعات مسبقة، كما يبدو لثبات الحكومات في مواجهته ونجاحها في الحدّ من تأثيره الكثير من التأثير على تقييمها الدولي والداخلي، بصورة لا تعبر عنها حسابات التقييم لما قبل الكورونا، والمحكومة بالسياسة ومفاهيمها واصطفافاتها التقليدية قبل الكورونا، داخل كل بلد، وعبر العالم، وفي معادلات العلاقات الدولية، ومَن يراهن على أن الحكومة اللبنانية التي كانت تنوء تحت عبء قضايا بحجم الأزمة المالية وتداعيات الأحتجاجات الشعبية، سيتكفل فيروس كورونا بدفعها إلى الهاوية، ربما يكتشف أنه قد ارتكب خطأ جسيماً، لأن ما بعد هذا الفيروس غير ما قبله في كل شيء.

Read more: هل سيتمنّى الحريري لو بقي رئيساً للحكومة؟: ناصر قنديل

تنبأت غونداليسا رايس بتفكك الاتحاد السوفياتي، عندما كانت صفتها الباحثة التي نالت شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية قبل أكثر من عشر سنوات من توليها أي مسؤولية حكومية، ونالت بسبب أطروحتها مكانة علميّة لفتت نحوها الأنظار ورشحتها للمناصب التي تبوأتها في عهد الرئيس جورج بوش الإبن، وقالت في وصفها لما سيجري في الاتحاد السوفياتي، وقد جرى فعلاً، «إن الإمبراطوريات التاريخية والدول العظمى المعاصرة، ترحل وتتفكك فجأة دون أن تمنحك مقدّمات تراقبها وتبني عليها سياقاً طويلاً ينتهي بالتفكك، إنها كما الطوفان والزلزال عملية تحدث فجأة، إنها تحدث وحسب». وهذا الكلام الذي صح في حال الاتحاد السوفياتي، لا يمكن إنكار إمكانية أن يصح أيضاً في حال غيره من الإمبراطوريات والدول العظمى.

Read more: الاتحاد الأوروبيّ والولايات المتحدة مهدّدان بالتفكك؟: ناصر قنديل

لو خرج رؤساء الحكومات السابقون ببيان يحذّرون فيه رئيس الحكومة حسان دياب من القبول بإعلان حالة الطوارئ، طالما أن التحديات التي يواجهها لبنان مع فيروس كورونا مدنيّة، وتغطيها حالة التعبئة العامة بما في ذلك تقييد حرية النقل، من خلال حظر التجوّل، لأنهم يعتبرون في حالة الطوارئ تهميشاً لموقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها، فيما تحتفظ رئاسة الجمهورية بصلاحية القائد الأعلى للقوات المسلحة، لصدّقناهم، لأنهم دأبوا على قياس الكثير من مواقفهم بقياس طائفي ومذهبي، يضع الأولوية لمعيار توازن الصلاحيات الرئاسية، سواء عندما كان الرؤساء السابقون فعليين أو عندما أصبحوا سابقين. ولو أعلنوا تأييدهم الرئيس دياب لتمسكه بحال التعبئة العامة ورفضه لحال الطوارئ لاستهجنا، لأنهم ما عوّدونا على موقف منصف لخصم سياسي في قلب الطائفة التي يحاولون احتكار تمثيلها، ودأبوا على رفض كل جديد قادم إلى نادي رؤساء الحكومة من كفاءات هذه الطائفة، بل إن بعضهم ومن باب الكيد نسي مسألة توازن الصلاحيات وراح يسرّب استغرابه لعدم إعلان حالة الطوارئ.

Read more: رؤساء الحكومات السابقون صوتُ المصارف: ناصر قنديل