Get Adobe Flash player

تدور نقاشات الحكومة حول الموازنة بلا منهجية وتسلسلية تتيح التقدم، فبعد مناقشة كل شيء تعود الحكومة للمرة الثالثة أو الرابعة لمناقشة كل شيء أيضاً، وقد تبقى على هذه الحالة أسابيع إضافية، وذلك يعود لكون ما تم التوافق عليه لا يلبي التطلعات التي وضعت لحجم التخفيض في عجز الموازنة من جهة، ولربط الإيفاء بتعهدات أطراف الحكومة بما التزموه تجاه القطاعات المعنية بالمساهمة في تخفيض العجز بشروط متبادلة كلما تقدم التفاوض حولها يعود التراجع ليظهر من جديد. والتعهدات تطال بشكل رئيسي تخفيضات تطال موظفي الدولة المدنيين والعسكريين من جهة، ومصرف لبنان والمصارف من جهة مقابلة، وفي ظل التفاهم على الحد الأدنى من هذه التعهدات يدور البحث المتواصل على الحد الأقصى فتحضر الشروط الجديدة

Read more: لماذا على مجلس النواب الاستقالة لحساب الحكومة؟: ناصر قنديل

في كل دول العالم بما فيها الدول العظمى والدول الغنية والمتفوقة اقتصادياً كما في الدول النامية والفقيرة والضعيفة، تقوم السياسة المالية للدولة على ركيزتين، تشكلان أساس تدخل الدولة في هيكلة الاقتصاد وتنظيم الاستقرار الاجتماعي. والركيزتان هما السياسة الجمركية من جهة، وضريبة الدخل من جهة أخرى. فالسياسة الجمركية تحدد هوية الاقتصاد، حيث تخفض الدول المعتمدة على تجارة الوافدين إليها الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة، وتستغني عن قيام صناعة وزراعة وتستوعب الطاقة العاملة في ميادين التجارة والخدمات الملحقة بها كالسياحة والمصارف وسواها، بينما تتجه الدول التي تريد تطوير صناعتها وتشجيع زراعتها رفع الرسوم الجمركية على المستوردات، وتسمّى بالحمائية الجمركية، وتضاعف من رفع الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة التي تنافس الإنتاج المحلي أو التي تقطع الطريق على قيام صناعات وزراعات محلية منافسة. وفي عائد الحركة الاقتصادية تضع الدولة سياستها الضريبية لضمان الاستقرار الاجتماعي، بحيث تقتطع من المداخيل الصافية للأفراد والشركات نسباً مئوية تقررها وفقاً لمنهجيتها الاجتماعية فتعتمد الضريبة التصاعدية على الدخل لبناء عدالة اجتماعية، أو تخفض الضرائب على الدخل إذا أرادت الاعتماد على جذب الأموال للاستثمار وتمنحها حوافز ضريبية، وفي هذه الحالة تتولى الدولة تقديم خدمات تعويضية للطبقات الضعيفة مجاناً أو بأسعار رمزية في مجالات الصحة والتعليم والسكن لضمان استقرار النظام الاجتماعي

Read more: ركيزتان مفقودتان في سياسة الدولة المالية: ناصر قنديل

منذ الفشل الإسرائيلي في جنوب لبنان عام 2000 كان على واشنطن أن تحضر مباشرة الى المنطقة، وان تدرك ان توفير فرص استمرار مشروعها الإمبراطوري في التقدم نحو آسيا، بعد حسم السيطرة على اوروبا في حرب اليوغوسلافيا وتوسع الاتحاد الاوروبي والثورات الملونة، مستثمراً لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، يستدعي حضورها المباشر وإدراك أن المواجهة بينها وبين إيران صارت شرطاً لتقدم هذا المشروع. وهكذا كانت حروب العراق وافغانستان ولاحقاً حرب لبنان 2006 وحروب غزة 2008 و2014 والحرب على سورية 2011 – 2019 وحرب اليمن 2015-2019 أشكالاً غير مباشرة لهذه المواجهة. وكان التفاهم النووي والانسحاب منه ترجمة لهذه المواجهة في سياسات الاحتواء او الحصار، وبالمقابل كان على إيران أن تتصرف على قاعدة أن تفادي المواجهة لم يعد ممكناً، لكن المطلوب خوضها بذكاء استراتيجي يتيح الوقت اللازم والمقدرات اللازمة لبلوغ اللحظة التي يصبح فيها السير نحو هذه المواجهة فوق قدرة أميركا. وهذا هو معنى التوازن الاستراتيجي

Read more: كيف تحقق التوازن الاستراتيجي؟: ناصر قنديل

قدّمت تجربة أنصار الله من الصمود والذكاء الاستراتيجي والإبداع التكتيكي ما يجعلها ظاهرة تستحق الدراسة، وها هي تتقدم إلى مصاف القوة الصانعة للسياسة والتوازنات الجديدة في منطقة الخليج، لتتقدّم كقوة إقليمية صاعدة في زمن التقهقر للقوى التقليدية في الخليج، بصورة تشبه ما صنعه حزب الله في منطقة المشرق، وبدرجة تقارب وتضاهي في إنشاء موازين ردع بوجه السعودية كما أنشأ حزب الله الموازين الرادعة بوجه «إسرائيل». وتأتي عمليات أنصار الله في التأثير على أسواق النفط العالمية لتمنحهم صفة القوة الإقليمية التي لا يمكن الحد من تأثيرها بغير التفاهمات السياسية معها، لأن إثبات القدرة كان كافياً للقول إن الذهاب إلى المواجهة مع أنصار الله، بعد الفشل في تحجيم ما أظهرته قوتهم في مواجهة حرب عالمية استهدفتهم في اليمن، إنما يعني تعريض سوق النفط العالمية لأضرار لا يحتملها العالم، دون ضمان بلوغ النتائج المرجوة بإضعاف انصار الله أو تحجيم تأثيرهم على مفاصل حساسة في سوق النفط، أظهروا إتقان التعامل معها في الزمان والمكان والإعلان وعدم الإعلان

Read more: أنصار الله القوة الإقليمية الصاعدة: ناصر قنديل

من دون ان تحتاج إيران الى إعلان أيّ خطوة تصعيدية أو تبنّي أيّ عمل أمني، ومن دون ان تضطر لحشد قواتها وإغلاق مضيق هرمز أو التصدي للقوات الأميركية فيه، أو إيقاف ناقلات النفط ومنعها من العبور، صار العالم معنياً بالاختيار بين التفاهم مع إيران منعاً للانزلاق الى الحرب، أو التفاهم معها منعاً لانهيار سوق النفط واندلاع حرب أسعار غير مسيطَر عليها، وهكذا ادّى التوتر مع إيران الى ظهور درجة من الفوضى الأمنية في حال المنشآت النفطية كانت كافية لتوجيه الإتهام لإيران والذهاب للحرب معها، لكن من كانوا يقولون بالحرب عندما بلغوا لحظة الضغط على الزناد تهيّبوا النتائج فتراجعوا، وباتوا يتحدثون عن انتظار نتائج التحقيق، ومن يريد حرباً لا ينتظر تحقيقاً بل يكتفي بالاتهام السريع ويبني عليه قرار الحرب، فما عاد من مكان للتهديد الأميركي تحت عنوان من يمسّ قواتنا ومصالحنا ومصالح حلفائنا سيلقى الردّ العسكري، ولا عادت اللغة تقوم على انّ ما يقوم به وكلاء إيران كما تسمّيهم واشنطن ستدفع إيران ثمن أفعالهم، فتضطر السعودية التي سبق وقالت انّ الهجمات اليمنية على خطوط النفط عدوان على التجارة العالمية وعلى الأمن والسلم الدوليين، وأمن الطاقة، خرجت وسائل الإعلام المحسوبة على السعودية للحديث عن جماعات داخلية سعودية تقف وراء التفجيرات، وتحوّلت الأحداث الخطيرة الى مجرد أعمال مشاغبة لا قيمة لها

Read more: العالم يقف بين التفاهم مع إيران والتفاهم معها: ناصر قنديل