Get Adobe Flash player

خلال الأسابيع الماضية تحولت منطقة الخليج إلى قبلة أنظار العالم في مشهد افتتحته الحشود الأميركية الواصلة إلى هناك تحت شعار ردع إيران، كما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأركان إدارته بالتتابع والتوالي. وخلال الأسابيع الماضية كانت واشنطن التي هدّدت إيران بالويل والثبور وعظائم الأمور، لا تقول إلا الكلام، فهي قالت إن أي استهداف لمصالح أي من حلفائها على أيدي حلفاء إيران سيرتب عقاباً وخيماً لإيران، ثم بدأ أنه مجرد قول، لأن الاستهداف وقع وتمّ وأعلن أنصار الله مسؤوليتهم عن تمدير خطوط أنابيب نقل النفط بين شرق السعودية وغربها، واكتفت واشنطن بالمراقبة ومن ثم بتعديل القول إلى قول آخر مضمونه أنها لا تريد الذهاب إلى حرب، ولذلك لن تتدخل عسكرياً إلا إذا تعرضت قواتها. وجاء الفعل فأسقطت إيران طائرة التجسس الأميركية العملاقة بصاروخ إيراني، واكتفت واشنطن بالقول، وعدلت أقوالها السابقة فهي تتجنب المواجهة طالما لم تكن نتيجة الفعل سقوط دماء.

Read more: معادلة الخليج: إيران تفعل ما تشاء وترامب يقول ما يشاء: ناصر قنديل

قد يكون الأمر مقتصراً حتى الآن على الرسائل التي يمكن لمن يقرأها ويقرأ عبرها ما هو أعمق من كونها مجرد مجموعة مصادفات غير مترابطة، لكنها ستتلاحق وتتراكم وتصبح سياسات. فالمعطيات المتاحة تقول إن مصير الحكومة التي ولدت من رحم التسوية الرئاسية ونتائج الانتخابات النيابية قد وضع على الطاولة، بقرار أميركي سعودي ويتم الاستعداد لترجمته بخطوات لاحقة، تستفيد من عدم الوقوع في خطأ احتجاز رئيس الحكومة في فندق الريتز قبل عامين، لكنها تستعيد التحرك للأهداف ذاتها.

Read more: ماذا ينتظر الحكومة من الاصطفافات الجديدة؟: ناصر قنديل

كما هربت إسرائيل نحو الخليج تسعى لتحقيق مكتسبات تقدمها لجمهورها تعويضاً عن الفشل بوجه حزب الله والمقاومة في لبنان، والطريق المسدود أمام أي محاولة لتحسين الأوضاع على جبهة لبنان، تبدو السعودية مقتنعة ببلوغ الطريق المسدود في جبهة اليمن، ليصير لبنان وجهتها البديلة مجدداً. فالحرب في اليمن في سنتها الخامسة لم تعد فيها أي آمال لتحقيق تقدم عسكري يصرَف في السياسة، والمبادرة العسكرية صارت بيد أنصار الله في استهداف العمق السعودي وتعريضه للخطر، والتجارة العالمية في أسواق النفط التي تشكل السعودية أحد أكبر اللاعبين فيها باتت رهينة لمعادلة الحرب اليمنية بعدما وضع أنصار الله لدخولهم حرب الناقلات والأنابيب عنواناً هو الردّ على العدوان السعودي الإماراتي على اليمن، وجاء التراجع الأميركي عن حماية المصالح السعودية والإماراتية التي كانت مشمولة بمهام الحشود العسكرية الأميركية في الخليج قبل أن تتراجع واشنطن، وبعده الانسحاب الإماراتي من حرب اليمن، ليجعل السعودية تستشعر خطورة العناد بإبقاء نيران الحرب مشتعلة.

Read more: السعودية: العودة إلى لبنان لتعويض خسارة اليمن: ناصر قنديل

لا يستطيع وزير العمل الآتي من مكانة حقوقيّة مرموقة ومن عالم المال والأعمال في الأسواق العالمية الادعاء، بأنه كان يتحرك بقوة القانون الحرفية، أو بدافع «وطني» ساذج منطلقه الحرص على اليد العاملة اللبنانية فقط، فهو ممن لا يفوتهم إدراك أمرين يحضران فوراً قبل اتخاذ أيّ قرار مشابه، الأول أن ظاهرة الوطنية الساذجة التي تنطلق من حساب الصراخ بأولوية العمالة الوطنية موجودة في كل العالم واسمها اليوم «الترامبية»، لكنها تبقى بحدود كبيرة خارج قرار الحكم، لحساب قرارات أكثر حكمة تراعي البعد الوطني لحاجات العمالة الوطنيّة وأولويّتها، لكنها تراعي معها عوامل واعتبارات أخرى، اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية، تُصاغ من مجموعها ما يُسمّى بالمصلحة العليا للدولة. فالترامبية الموجودة على تويتر ليست الترامبية الموجودة في الواقع، حيث العمالة المكسيكية كحاجة اقتصادية للصناعة والزراعة وقطاع السياحة في أميركا، تعيش التجاذب بين حدود القانون والوطنية الساذجة بالتوازي مع الحاجات الاقتصادية، أما الأمر الثاني فهو إن أي قرار بهذا الحجم في بلد كلبنان يتصل بقضية بهذه السخونة والحساسية في توقيت بهذه الدقة والخطورة والتعقيد، لا ينزل على رؤوس الناس كالصاعقة، بلا تشاور وتمهيد ضروريين يفترض أن يطالا المجال السياسي اللبناني أولاً والسوري والفلسطيني ثانياً.

Read more: قرارات وزير العمل "الطائشة": ناصر قنديل

يسهل على أي متابع للوضع المالي في لبنان قراءة خط بياني لثلاثين عاماً مضت، عنوانه تضاؤل فعالية وقدرة وزارة المال مقابل تزايد وتوسّع قدرة وفاعلية مصرف لبنان، وبالتوازي تراجع حجم الاقتصاد بكل قطاعاته مقابل تنامي قدرات وودائع المصارف. والكلام هنا لا يزال توصيفاً وليس انتقاداً. توصيف يستدعي التفسير العلمي، والاستخلاص ما إذا كان علامة صحة وعافية او دليل مرض. وفي حال كان مرضاً، يصح التساؤل عن توصيفه ودرجة خطورته ونوعية العلاجات المطلوبة.

Read more: الموازنة: اللاتوازن مع مصرف لبنان في السيادة المالية !: ناصر قنديل